الأربعاء، 13 أكتوبر 2010

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

الجنون فنون

صديقي الانتهازي، الذي كنت قد حدثتكم عن مغامراته و سلوكا ته و تصرفاته مرارا، قد عاد هذه الأيام للظهور بعد انقطاع دام طويلا، و هو الآن يستعد للظهور على الساحتين الدولية و الوطنية.

غيبته الطويلة هذه، يقول العارفون بمغامراته و حكاياه، قد خصصها لدراسة القانون، و دخلاته و خرجاته و منعرجاته.

صديقي الانتهازي هو من أصول ريفية، و لكنه آل على نفسه أن يقطع كل صلة بالريف.. لذلك، راح يتفنن قي شراء أصناف المساحيق ليزيل بها آثار السمرة،و كل ما من شانه أن يذكره بقريته الجبلية في الشرق الجزائري، و قد انفق في ذلك الكثير من المال، و تدرب طويلا على تغيير لهجته ليظهر بمظهر العاصمي المتحضر، و قد حاول أيضا تعلم اللغة الفرنسية بكل ما أوتي من مال و قوة، لكن خلايا مخه أبت أن تتقبل لغة أخرى غير لغة الريف الذي نشأ و ترعرع فيه، فهو بالكاد ينطق القاف قافا، بل في كثير من الأحايين تخرج كافا، فينفضح أصله الذي اجتهد كثيرا في إخفائه، بل التنكر له.

صديقي الانتهازي هذا قضى سنوات في منطقة تيزي وزو، محاولا التقرب من علية القوم، و زعماء العروش الفاعلين في المنطقة، ليتسنى له التسلل للمهمات العليا في الدولة، لأنه يدرك أن هؤلاء القوم بيدهم الحل و الربط، و قد كان كثيرا ما يحدثهم في جلساته عن جده الأكبر الذي عاصر و عاشر"لا لا فاطمة انسومر" و هاجر إلى الشرق الجزائري خوفا من الاستعمار الفرنسي، و هلم حكايات و ادعاءات تظهره بمظهر المناضل، سليل العائلة الثورية.

صديقي الانتهازي نجح في شيء قلما ينجح فيه الأطباء الجراحون، وهو تغيير سحنة وجهه من السمرة إلى الشقرة.

نعم، لقد صار بقدرة قادر أشقر، وهذا هو العجب العجاب، الذي حيّر حتى الأقربين و العارفين بمراحل نموه و دراسته و تدرجه الوظيفي.

حكايا صديقي الانتهازي كثيرة و مثيرة، و هو يحاول دائما أن يظهر أمام زملائه و جلسائه بمظهر الودود، الطيب، المخلص، الوفي، الخدوم، المتفاني في خدمة العروبة و الوطن، و لكنه في الوقت ذاته مستعد لأن يبيعك بدينار إذا لم يجد فيك ما يرضي رغبته و مصلحته.

أما توجهه السياسي- إذا رغبت في ذلك- فهو متعدد و متلون، تلون صاحبي، فإذا كان في تيزي وزو و ما جاورها، فهو أٍرسيدي أحيانا أو أفافاس ، أما إذا كان في الشرق أو في الأوراس، فهو إصلاحي أو حماس، و هو باختصار يجسد التعددية في الجزائر، و هو النموذج الحي لحال حركتنا السياسية.

هذه بعض ملامح صديقي الانتهازي في خرجته الجديدة التي يود من خلالها التوغل في المناصب السياسية العليا.

***

جاءني ذات صباح مبتسما مستبشرا، فاتحا ذراعيه، فقلت في نفسي: انه يعد لشيء كبير، و ما إن أتم ترحيبه و قبلاته حتى بادرني قائلا:

- أنت مدعو لمشوي يوم الجمعة.

و حدد لي المكان و الزمان، و انتقل لتقبيل زميل آخر، بنفس الحماس و" الحب" و لم ينس طبعا أن يدعوه للمشوي، ما دام في الأمر" إن". و ما إن انصرف صديقي الانتهازي حتى بادرني زميلي بالقول:

-أتعرف المناسبة التي دعانا أليها صديقنا؟!

قلت عله زوج أحد أبنائه أو إحدى بناته.

قال: لا... أنسيت بأنه مترشح لمنصب عال؟!

فهمت سر محاباته لي، هذه الأيام و كثرة مهاتفاته لي، و السؤال عن صحتي و صحة الأولاد و العائلة، و كان يختمها دائما بعرض خدماته، وكنت أنا من جهتي أحاول أن أقتصد في الكلام لإنهاء المكالمة في أقرب وقت.

لقد قال لي زميلي أن صاحبنا الانتهازي اتخذ الترشح لذلك المنصب مطية لمنصب أعلى، منصب اقل ما حلم به شخص في الدنيا، لأنه منصب عال جدا، قد يجعله بين عشية و ضحاها الرجل الأول الذي يتحكم في البلاد و الرقاب و العباد.

ثم أضاف، لا تتعجب، فهذا الصنف من البشر، يمكن أن يتحقق حلمه "فالجنون فنون" و هو ما دام قد وصل إلى ما هو فيه من جاه و مال، و هو على هذا القدر من الغباء، فيمكنه أن يحقق كل أحلامه التي تبدو لك ضربا من الخيال، و هذا الصنف من البشر يمكنه في الوقت نفسه أن ينبطح أرضا، و يقدم لك التنازلات إذا ما شعر بأن الأمور في غير صالحه لكنه لا يتوانى في أن يعيد الكرة، و يواصل مخططاته

و تخطيطا ته ليحقق ما رسمه لنفسه من طموحات.

صديقي الانتهازي يبدو ظريفا و لطيفا و قد آلفه الأصدقاء، لذلك صاروا يماشونه في جنونياته

و ممازحاته الثقيلة، التي يسعى جاهدا إلى تلطيفها ليتقبله الناس.

أما حكايته مع الانتخابات، فهي حكاية لا تقل طرافة عن سابقاتها، و لكن فبل أن أتطرق إليها لابد من إنصاف صديقنا الانتهازي، فله أوصاف و مزايا، و خصالا و مناقب، لا تحصى و لا تعد.

صديقي الانتهازي من "مزاياه" الكذب المفضوح، فإذا ضرب لك موعدا، فلا تتعب نفسك في الذهاب إليه، لأنه لا يجيء أبدا، و لا يلتزم أبدا بمواعيده، و إذا واجهته بعدم التزامه بالموعد، لا يتوانى في التأكيد لك بأنه أتى في الموعد المحدد،و يعزو عدم اللقاء إلى سوء تفاهم في الوقت، و إذا أصريت على تحميله مسؤولية مخالفة الموعد، يجيبك ضاحكا، و بكل برودة:" لقد كدت أجيء".

و لكن إذا كانت له مصلحة في اللقاء بك، فانه سيعثر عليك، مهما اجتهدت في الاختفاء.

و من صفاته و مميزاته إن شئت، هو الحديث الدائم عن والده المجاهد الكبير، الذي يكاد –حسب حكاياته- يكون صانع الثورات كلها.

هو يلجأ إلى هذا النوع من الحديث ليحتمي بماضي والده المشرف، لأن ماضيه هو، ليس فيه ما يحكى أو يلفت الانتباه.

من حكايا صديقي الانتهازي الطريفة، التي سبقت حملته الانتخابية، أن دعا أكثر من مئة شخص لعشاء فاخر في مطعم فاخر.

و من عجيب الصدف أن المدعوين كلهم حضروا في الموعد المحدد، فسقاهم صاحب المطعم مشروبات باردة في انتظار مجيء الداعي، و بعد انتظار طويل، حاول صاحب المطعم الاتصال بصاحبنا في المنزل، لكن كان يرن في الهواء.

و حاول بعض أصدقائه الاتصال به، في هاتفه النقال، لكنه ظل مقفلا أو خارج الخدمة، و في نهاية المطاف اضطر الجميع للانصراف.

و في الغد أشاع صاحبنا الذي اختفى عن الساحة أنه تعرض لحادث مميت، لكن الحقيقة غير ذلك، لان صاحبنا فوجئ في آخر لحظة، بشطب اسمه من قائمة المرشحين.

هذه بعض حكايا صديقي الانتهازي، و إلى أن نلتقي مع حكايا أخرى و مع صديق آخر أستودعكم الله،

و لا أتمنى لكم أن تقعوا في مقلب مماثل لما وقع لضيوفه المساكين.

الاثنين، 4 أكتوبر 2010

في انتظار التنصيب

قالت زوجتي و هي تتصفح إحدى الجرائد

ـــ هاك...اقرأ هذا الخبر

ـــ أي خبر؟

ـــ خبر يخص صديقك الانتهازي

ـــ أيهم أنهم كثر!

و رمت الجريدة أمامي.. و تركتني، ألتهم الخبر التهاما، و أضرب كفا بكف.. و أتلهف لمعرفة الشخص المعني بالخبر.

لقد صيغ الخبر بطريقة، غامضة، و مثيرة و غير مباشرة، و الخبر لا يذكر شخصا باسمه، و إنما يلمح لذلك تلميحا، و هو مكتوب بطريقة مفتوحة على عدة احتمالات.

و لا أخفي عليكم... فقد اجتهدت كثيرا في معرفة الشخص المعني بالخبر، لأن متنه، أقصد متن الخبر يقدم معلومات و أوصافا، تنطبق على الكثير من أصدقائي.

من هذه المعلومات مثلا غيابه المفاجئ، وقت المحنة العصيبة التي كانت تمر بها البلاد.. أقصد محنة الإرهاب الهمجي الأعمى، واختياره العيش خارج الوطن، و تحديدا في إحدى البلاد الأوروبية..

و هذه المعلومة لا تعني شخصا واحدا، لأن العديد من الأصدقاء المثقفين هربوا وقت الأزمة، و اختاروا العيش في باريس، و بعضهم في بريطانيا و بلجيكا، و آخرون خنقتهم الرجلة و العروبة، فاختاروا اللجوء إلى بعض البلدان العربية، لكن سرعان ما هربوا أو هربوا منها.

و لأن العديد أيضا من الذين تركوا البلاد، كانوا يعيشون على صدقات الجمعيات الخيرية الأوربية، و على صدقات بعض الجهات الداعمة للإرهاب في الجزائر، لتبقى البلاد تابعة لفافا، و تظل مرتعا خصبا للتجارب و موردا اقتصاديا مضمونا و تبعية دائمة.

كل هذا ليس مهما عند هذه الفئة من الناس: فكل شيء يهون في سبيل الحصول على اللجوء السياسي كخطوة أولى ثم الجنسية في مرحلة لاحقة، و هكذا يضعون – كما يقال- رجلا هنا و رجلا هناك و لما لا، مرتب هنا و مرتب هناك.

و من المعلومات التي كان يشير إليها الخبر أيضا، ما كان يشيعه في الأوساط الإعلامية

و الثقافية والسياسية من أخبار حول متابعات و ملاحقات مشبوهة من طرف الجماعات الإسلامية و من جهات ما في السلطة، و هذه صفة أيضا لا تخص شخصا بعينه، لأنها تنطبق على الكثير من الناس، غير أن المثير في الخبر هو قدرة هذا الشخص على نسج علاقات متينة مع جماعات ضاغطة و فاعلة في السلطة، بحكم انتمائه الفئوي و المصلحي

معا.. و الأدهى من كل ذلك، أنه أقنع جهات نافذة في السلطة باستمرارية راتبه الشهري في الجزائر، مقابل إرسال معلومات و تقارير عن نشاط الجالية الجزائرية في أوروبا و خاصة

عن الفئات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بدعم الإرهاب بمختلف الوسائل.

و ما أضافه الخبر من معلومات جعل الأمور تختلط في ذهني، ولم أعد أعرف الشخص المعني بالخبر، و خاصة حين أشار إلى أن المعني كان يستعمل باروكة و لحية في تنقلاته داخل الوطن و خارجه لكي لا يعرفه حتى المقربون من أصدقائه، و أنه كان في أوروبا يقصد الجمعيات الخيرية المختلفة و يطلب منهم مساعدات مادية.

و مما ورد أيضا في الخبر أن صديقي هذا، قد عرضت عليه عدة مناصب عالية، لكنه رفضها تعففا و زهدا في المنصب، لأنه آثر أن يخدم الوطن بطرق أخرى أكثر جدوى.

و في الوقت ذاته كان يبحث عن موقع هام خاصة، بعد استقرار الأوضاع.

و لا تعجبوا إذا قلت لكم أن صديقي الانتهازي قد خطط لمنصب ما، و نجح في خطته، وقد انتظر العارفون بألاعيبه و أموره أن يعلن فقط رسميا عن يوم الإعلان الرسمي للتنصيب.

ولا تتعجبوا، أيضا إذا قلت لكم أن العديد من المناصب الحساسة، ستكون لأمثال هؤلاء الذين تركوا البلاد وقت حاجتها إليهم.

كانت زوجتي تنظر إليّ مبتسمة، و هي تراني أقرأ الجريدة و أعيد قراءة الخبر، و علامات الدهشة و التعجب بادية من خلال تعابير وجهي، قالت زوجتي، لا تتعب نفسك في معرفة الشخص المعني، لأن كاتب الخبر عمد التمويه، و حتى لا تتابع الجريدة بتهمة القذف، و من يدري علّ المعني بالأمر يمكن أن يصير وزيرا للإعلام و الثقافة، فيعمد إلى خلق متاعب للجريدة أو لعلّ الجريدة عمدت إلى ذلك خدمة لخطها و توجهها السياسي... لأن لذلك قصة أخرى سنعود إليها في إحدى الحكايا القادمة.

خيطت كفا يكف، لأني لم أعد أدرك الصح من غيره، و قلت في نفسي "عيش أتشوف" و أن غدا لناظره قريب.

أضافت زوجتي مقهقهة:

- أما أنا فقد عرفت الشخص المعني، لقد أخبرتني عنه زوجته القادمة منذ فترة قصيرة من باريس، نعم، إنها تعد العدّة لذلك، و هي تنتظر فقط الإعلان الرّسمي للتنصيب، لتقيم الأعراس و الأفراح.

زوجتي إذن كانت تعرف من هو الشخص المعني، و الزوج آخر من يعلم، أعترف أني كنت ساذجا إلى حد الغباء، لأني لم أكن أعير اهتماما كبيرا للكثير من التصرفات و الحركات التي كانت تحدث أمامي، وقتها كنت ألتقي صديقي الانتهازي.

أذكر مرة أنه حدد موعدا مع السيد الوالي و اصطحب معه رسالة تهديدا، رسالة مكتوبة بخط رديء و معها قطعة قماش بيضاء... رسالة محتواها التهديد بالقتل من طرف جهات مجهولة، أما قطعة القماش فهي ترمز للكفن، روى لي الحادثة، دونها إشارة لدوافع هذا الفعل الذي أقدم عليه، و عرفت فيما بعد أنه نقل إلى السكن في منطقة آمنة، أطلق عليها فيها بعد إقامة الدولة، مخصصة لإطارات الدولة المهددين من طرف الجماعات الإسلامية، و كذلك الصحفيين الذين كانوا من الأهداف الأولى لهذه الجماعات.

صديقي، لم يكتف بهذا الحد بل دبّر موعدا مع جهات أمنية رفيعة، تلك الجهات قامت من جهتها – حفاظا على أمنه و حياته- بنقله إلى أحد الأحياء الهادئة في ولاية العاصمة، حيث لا يعرفه أحد، و حتى لا ينكشف أمره، قام – قبل سفره إلى الخارج- بتغيير الأبواب الخشبية بأخرى حديدية و بتسبيح النوافذ بالحديد المصفح، و هكذا ضرب عدة عصافير بحجر واحد: ضمان استمرارية مرتبه في الجزائر، و مسكن احتياطي في أحد الأحياء الرّاقية و مسكن أمني في إقامة الدولة، يستغله في العطل. هذه بعض المنافع التي جادت بها محنة الإرهاب.

و في انتظار تتويج كل الانتصارات بإعلان موعد التنصيب، أترككم في رعاية الأثرياء الجدد. و إلى أن يجمعني معكم موعد آخر، مع انتهازي أخر، أتمنى لكم صبرا كبيرا، و أنا متفهم معاناتكم سلفا.

ابن رشد زمانه

خرجات صديقي الانتهازي كثيرة و مثيرة... متميزة و حقيرة أحيانا... لكنها تظل حكايا ملفتة للانتباه، يتداولها الناس في لحظات السمر، يتندرون بها، و يستدلون بها على الجرأة و الوقاحة في آن واحد، ما أرويه لكم ، كان من قبيل الصدفة و لولاها، ما كنت حضرت هذا الفصل من حكايا صديقي الانتهازي.و قبل ان اروي لكم هذه الحادثة أروي لكم حادثة متميزة و شيطانية، هندسها صديقي، بإحكام! الحادثة تعود وقائعها إلى سنوات الأزمة، أو العشرية السوداء، كما يحلو للبعض تسميتها، و كانت تلك الحادثة بداية لحكايا أخرى مثيرة.

لقد حز في نفس صديقي الانتهازي أن يقرأ و يسمع يوميا أخبارا عن اغتيالات، ضحيتها مثقفون و صحفيون و قضاة و ر جال أمن.. فعنت له فكرة شيطانية، لا تخطر ببال أحد، و هي أن يحدث ضجة ما، تلفت انتباه الرأي العام، ليكون موضوع حديث الصحافة العربية و الأجنبية.

هذه الحادثة ستكون لها فائدة مزدوجة، ستسهم من جهة في صرف النظر عن الثغرة المالية الكبيرة، التي اكتشفت في المؤسسات الثقافية التي كان يديرها، و من جهة أخرى ستجلب له شهرة منقطعة النظير، و ربما ستمهد له الطريق للسفر إلى الخارج، هربا من المتابعة القضائية، و هروبا من الإرهاب الذي يطال المثقفين، خاصة و أنه ينتمي إلى فئة من المثقفين، التي ركبت موجة اليسار الراديكالي في السبعينات.

لقد نجح صديقي الانتهازي إلى حد كبير، في خطته الشيطانية، إذ كاد يصدقها الكثير من معارفه، و قد انطلت بنسبة كبيرة على الرأي العام، الذي تفاعل مع الحادثة، و أبدى أسفا و تعاطفا كبيرين على ما حدث لصديقي الانتهازي.

لعلكم تذكرون الحادثة الآن، و لكن لا بأس من تذكيركم بها. لقد لجأ صديقي الانتهازي ذات صباح من صباحات الزمن الدامي إلى حشو أنبوب احتراق البنزين بحبة بطاطا! فكمم منفسها، و عند انطلاق السيارة سمع دوي هائل، أرعب سكان الحي الذين هرعوا إلى مصدر الصوت لاستطلاع الخبر، و ما هي إلا لحظات حتى رأوا جارهم (أقصد صديقي الانتهازي) و هو يلهث مع ابنته الصغرى، تاركا سيارته في منتصف الطريق.

و هكذا أشاع صديقي الانتهازي بين معارفه و جيرانه انه تعرض لمحاولة اغتيال، فانتشر الخبر كانتشار المرض في الهشيم، بين الجدران و في أحياء المدينة المختلفة، و في الصحافة المحلية و الوطنية. و هو الشئ الذي مهد له الهروب إلى فرنسا خوفا من "المتابعة القضائية" و هناك متابعة و متابعة. صديقي الانتهازي لم يكتف بهذا الحد،بل أشاع في الصحافة الفرنسية، بأنه تعرض- فضلا عن محاولة الاغتيال – إلى حرق كتبه في الساحات العمومية من طرف الظلاميين و الإسلاميين، حتى يكسب عطف اليسار الفرنسي، الذي كان يتصدق عليه ببعض الفرنكات!.

انقطعت أخبار صديقي الانتهازي.. و لم اعد اسمع عنه الكثير، عرفت فيما بعد أنه فصل من عمله الأساسي في الجزائر. لكن المفاجأة الكبرى ما سأحكيه لكم في هذه المرة و هو فصل مثير من حكابا صديقي الانتهازي.

.....

اضطرتني الظروف إلى قضاء ليلة في دولة أوروبية، لأواصل بعدها رحلتي إلى دولة عربية لحضور مؤتمر ثقافي، فكان أن دعاني أحد الأصدقاء المقيمين هناك إلى حضور ندوة صحافية من تنشيط أحد كبار المثقفين المقيمين حديثا في هذا البلد الأوروبي. لم أسأل عن صاحب الندوة، و لا على الجهة التي نظمتها، لأننا في بلد ديمقراطي يعج بالجمعيات و المنظمات و التنظيمات. لبيت دعوة صديقي دونها استفسار و قصدنا الحي اللاتيني الذي يعج بالجاليات من كل الأجناس، و موطن و ملتقى كل الثقافات. وصلنا مع بداية الندوة و جلسنا في زاوية من زوايا القاعة، بحيث يسهل علينا الانزلاق و الخروج، دون أن يتفطن لذلك الحاضرون...

كان المتحدث في المنصة، قد استرسل في سرد بعض من معاناته بصوت خافت و حزين، جعل من في القاعة، يتابعون باهتمام كبير حركاته

صرت أخرج في كل مرة إلى عملي متنكرا في زي جديد ألبس باروكة و أضع شنبات مثلما يفعل المتنكرون في الحفلات التنكرية، و راح المتحدث ينزع من على رأسه الباروكة و يضعها في حقيبة كان قد وضعها بين رجليه و كذلك فعل بالنسبة للشنبات –يا الهي انه صديقي، عرفته... لقد كانت المفاجأة عظيمة.. انه صديقي الانتهازي الذي راح يحكي بإسهاب للحاضرين عن مغامراته التنكرية و ملاحقة الإرهابيين له، و لأفراد عائلته، كل هذا من أجل أن يجلب المزيد من التعاطف. كان الحاضرون مبهورين، يبدو عليهم الاهتمام الكبير لما يرويه صديقي الانتهازي.. و لما شعر بسيطرته على القاعة راح يتفنن في نسج آخر حكاية من الحكايا التي خصصها لندوته الصحفية. لقد ذكر لهم كيف أن مؤلفاته سحبت من المكتبات، و جمعت و حرقت في الساحات العمومية، لأنها كتب ضد الظلام و الظلاميين، و تدعو للتفتح و العصرنة. لحظتها تذكرت ابن رشد المسكين، و تأهبت للخروج دون أن يتفطن إلى وجودي أحد تاركا ابن رشد زمانه، يروي لهم، تخاريفه و أكاذيبه، طمعا في بعض الفرنكات، و في إقامة مؤقتة في هذا البلد الأوربي الجميل..


سواهي .. و دواهي

في حياة صديقي الانتهازي محطات تعود إلى عهد انتمائه لبعض التنظيمات الشبانية، محطات قد تبدو عادية و غير مهمة، لكنها في واقع الأمر بالغة الأهمية، وغير عفوية تماما. أنا شخصيا كانت تبدو لي تصرفات عادية جدا، و لكن فيما بعد تأكدت أنها حركات و تصرفات مدروسة، ستكون لها فائدة كبيرة في يوم ما..

إذن فصديقي الانتهازي كان يخطط لشيء ما، لم يفصح عنه يوما لأحد.

صديقي الانتهازي كان يختار دائما مرافقة أبناء الشخصيات" عسكرية كانت أو سياسية" في الرحلات التي كانت تنظمنها مؤسستنا الشبانية، و كان دائما يطلب أرقام هواتف أولياء أمورهم ليطمئنهم أثناء و بعد الرحلة، ليظهر في مظهر الحريص الأمني، و هكذا بدأ في نسج علاقات كبيرة مع مختلف الشخصيات الفاعلة و مع أبنائهم الذين كان يرافقهم في الرحلات، داخل و خارج الوطن. صديقي الانتهازي لا يمكنك إلا أن تحبه و تحترمه لأنه يحرص دائما على أن يكون ودودا و طيبا مع كل الناس، و حين يخاطبك لا يجرؤ على رفع عينه، أو ينظر في وجهك، بل يطأطئ رأسه و يكلمك بصوت منخفض. صديقي الانتهازي لم يكن يعير اهتماما للدراسة، لأن العمل السياسي قد أخذ كل وقته و اهتمامه. افترقنا بعد مرحلة الدراسة و لم أعد أراه أو أسمع عن أخباره لأنني التحقت بعالم الشغل و تركته في مقاعد الدراسة يعيد السنة تلو الأخرى، و عرفت فيما بعد انه لم يكمل دراسته الجامعية و لكن المفاجأة الكبرى التي لم أكن أنتظرها هي أنني ذات يوم و أنا أتابع نشرة الأخبار أسمع اسم صديقي الخجول الودود، أقصد الانتهازي، في قائمة المعينين بمناصب عليا. تملكني الذهول، لم أصدق ما سمعت و لكن تذكرت المثل القائل" يا ما تحت السواهي من دواهي".

و رحلت استعرض شريط علاقتي بصديقي الانتهازي.

.

هو أنت إذن أيها الملعون، أتذكر الآن، داك الوقت الجميل: وقت كنا نخرج معا في رحلات شبانية لا تنسى، و أتذكر كيف كنت حريصا على ربط العلاقات الوطيدة مع أولياء الشبان الذين كنا نصطحبهم في الرحلات المنظمة من طرف تنظيمنا، و لم أكن أدري أنك كنت –بتوددك و تلطفك وحرصك الشديد على العلاقة بينك و بين الأطفال و أوليائهم- أنك كنت تخطط تخطيطا جهنميا للوصول إلى ما وصلت إليه الآن و ما ستصل إليه غدا.( و إن غدا لناظره قريب).لقد تمكنت في ظرف قياسي عجيب من حرق العديد من المراحل، بل المراحل كلها لتغدو بين عشية و ضحاها إطارا ساميا توجه له الأنظار و تشد إليه الرحال و يحسب لكلامه ألف حساب.

نسيت أن أقول لكم أن صديقي هذا قبل أن يصل الى ما وصل اليه الآن قد

جمع - في بداية خطته – الكثير من المال، عن طريق السلفة و بيع ما يمكن بيعه، و رهن ما يمكن رهنه ، حتى يبدو بمنظر الغني الميسور ، وقد ساعدته في ذلك الظروف: إذ طلب منه أحد أولياء الطلبة الذين كان يرافقهم أن يحرس له "فيلته" أثناء فترة غيابه ،التي قد تطول إلى أكثر من سنة.

فالمال موجود، إذن، و المسكن المريح موجود أيضا، و في حي سكني فاخر، فما بقي له إلا أن يشرع في تنفيذ خطته بإحكام.

البداية كانت باختيار اليوم المناسب، الذي يدعو فيه ضيوفه من الشخصيات النافذة ، ولم يكن سهلا عليه التوفيق في اختيار ذلك اليوم، لولا الاستشارة الواسعة التي قام بها لدى المقربين من أصدقائه، خاصة و أنه أعزب :لا أبناء و لا بنات لديه، يسهلون له اختلاق المناسبة. وفي نهاية المطاف، و بعد البحث و التحري، واستعراض المناسبات و التواريخ المهمة في حياة البلاد و العباد، كان الاتفاق على مناسبة عيد الاستقلال .

ولا أخفي عليكم أن صديقي الانتهازي، قد نجح نجاحا باهرا في الحفل الذي أعده ليطبق خطته الجهنمية ، بداية من بطاقات الدعوة المذهبة، و ديكور الفيلا الذي تفنن في تنسيقه بالورود الطبيعية و البشرية. أقصد الطالبات الجميلات اللواتي سهرن على راحة المدعوين، و انتهاء بنوعية المدعوين الذين يمثلون مختلف الأسلاك و الزمر، و الشرائح و جماعات الضغط. هذا الاختيار الذكي أبهر المدعوين، و راح كل منهم ينظر نظرة خاصة لصديقي الانتهازي، الذي بدا بين عشية و ضحاها من علية القوم.

أصبح كل منهم يقرأ له حسابا خاصا، آخذا الاعتبار الشخصية الخفية التي تسنده. تلك الشخصية التي كانت موضوع و همس الساهرين و ان لم تكن موضوع اتفاق بين الهامسين الساهرين، غير أنها كانت الشخصية الشبح التي هيمنت على أجواء السهرة.

و في نهاية السهرة، و بعد أن فعلت الخمرة فعلها، زالت الكلفة، أصبح الكل يتوددون إليه، و يدعمونه دون أن يشعروا بأنهم هم الذين سيكونون من صانعيه.

هذا هو صديقي الانتهازي الذي ينطبق عليه المثل العربي" يا ما تحت السواهي من دواهي".

.........

نسيت أن أقول لكم أن صديقي الانتهازي، الذي استعرضت لكم بعضا يسيرا من مخططاته الجهنمية الذكية جدا، انه لا يعرف للخمر طعما، و هي صفة يحسده عنها الكثير من معارفه و المتوددين إليه، و قد حاول الكثير من الندامى إغراءه بالشرب، لكنهم لم يفلحوا، و قد كان بذكائه الخارق، و لطافته و خجله، ينجح في الاعتذار لهم، و إذا ما ألحوا في الدعوة، يوعز أسباب امتناعه الى تعليمات طبيبه الخاص، و اذا ما كان في الجلسة حسنوات، فانه يمسك نفسه "الأمارة بالسوء" و لا ينسى أن يمرر بطاقة الزيارة خلسة، دون أن يشعر بذلك الندامى.

و هكذا صار رقم محموله الخاص، عند كل العاهرات، يلتقينه في خلوة بعيدا عن أنظار المتلصصين أو البصاصين.

صديقي الانتهازي يعرف في قرارة نفسه أن للبصاصين طرقهم الجهنمية لمتابعة أخباره و تنقلاته و تصرفاته، و هم قادرون على تجنيد العفاريت و شغالات البيوت والمكاتب، و السكرتيرات و العاهرات، و العابرات السبيل لمتابعة أخباره، و يؤمن أيضا بان السرقة ليست ممنوعة أبدا، و أن الممنوع هو أن يقبض عليك في حالة تلبس، لذلك تراه يبذل قصارى جهده في ألا يترك بصماته تدينه، لذلك امتنع عن الشرب (ليس تدينا) و اكتفى بممارسة البلايا الأخرى بعيدا عن الأنظار و البصاصين.

هذه محطة من محطات صديقي الانتهازي الكثيرة التي لا تحصى و لا تعد، و لا اخفي عليكم بأنني مبهور بذكائه الخارق، لأنه يستطيع أن يجعلك -إن كنت واليا- أو ميرا- تعرض عليه سكنا أو قطعة ارض في أرقى الأحياء، أو في أجمل المدن على الإطلاق، و هكذا استطاع –رغم حداثة سنة- أن يكون من الأثرياء و علية القوم، و يتبوأ أحسن المواقع.

و يا تحت السواهي من دواهي

الخميس، 16 سبتمبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

ديمقراطي حتى النخاع

وردت إلي أخبار لم أتأكد بعد من صحتها، مفادها أن صديقي الانتهازي يعد الآن – بعد أن ترّبع على عرش مؤسسة هامة جدا للإطاحة برئيسه المباشر، ليصبح هو الكل في الكل- كما يقولون- و يصبح مسؤولا على قطاع هام من القطاعات الحيوية في البلاد.

لم أستبعد تلك الأخبار لأن طموحات صديقي الانتهازي لا يحدها حد، و ربما منصب الوزير الذي يعمل

و يخطط للوصول إليه، لا يكفيه رغم أنه يرضي في نفسه الكثير من الغرور و الطموحات.

صديقي الانتهازي هذا من صنف خاص من الجزائريين، فهو في وقت مضى و قبل العشرية السوداء، كلن يشيع بين معارفه أنه من العائلة الثورية، و أنه رفض و لازال يرفض كل الإغراءات و الاستفادات التي تعرض عليه باسم الانتماء لهذه العائلة، من قطع أراضي، و مناصب و علاوات و منح و غير ذلك من الاغراءات.

نعم، يصر على رفضها، و هو المجاهد، و ابن الشهيد في الوقت ذاته، غير أن تصرفاته و سلوكاته تعكس حقدا دفينا على كل ما له علاقة بالثورة و المجاهدين و الجهاد و الشهداء، و هو الشيء الذي حيّر أصدقاء و المقربين منه، و لم يدركوا الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى ذلك.

في بعض الأحيان كان يعلل رفضه للعلاوات و الامتيازات، كونه لا يفرق بين أبناء الجزائر، و هو كديمقراطي يرى أن الجزائريين سواسية، لا فرق فيهم بين ابن الحركي و ابن المجاهد، و ابن اليهودي

أو الفرنسي الذي و لد و ترعرع قي الجزائر، و لا تتعجبوا إذا قلت لكم انه انضم في وقت مضى إلى زمرة من دعاة الديمقراطية و التقدم الذين دافعوا بشراسة على استضافة الفنان أنريكو ماسياس، و من المدافعين أيضا عن عودة الأقدام السوداء إلى "وطنهم" الجزائر.

و من يعرفون صديقي الانتهازي بعمق يدركون انه يكن عداوة دفينة لكل ما له علاقة بالثورة و الثوار

و لذلك أسباب دفينة لا يعرفها حتى المقربون منه، و لولا ولع أحد أصدقائنا بالتاريخ و الكواليس و الخفايا لما عرفت الأسباب الحقيقية التي صبغت و طبعت و صاغت صديقنا على هذه الشاكلة.

هذه المعلومات و إن شئتم الأسباب لا تزال في حوزة ثلة من الأصدقاء، رواها لهم صديقنا المولع بالأقاصيص الغربية و الحكايا العجيبة، و قد نقلها عن مشايخ القرية التي ولد فيها صديقنا الانتهازي،

و غادرها طفلا لم يتجاوز عمره الخامسة، حملته أمه هروبا من القيل و القال، و من مضايقات سكان القرية. تلك الصور و الأحداث بقيت عالقة بشكل ضبابي في ذهن صديقنا الانتهازي، الذي لم يعد منذ تلك الحادثة اللعينة لزيارة قريته و أقاربه.

٭٭٭

صديقي المولع بالتاريخ و البحث و الحكايا العجائبية. روى لي حكاية مثيرة قد تلقي الأضواء على الكثير من الزوايا المظلمة و المحطات الغامضة في حياة صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع"، و تفسر إلى حد بعيد تسامحه اللامتناهي مع الفرنسيين و اليهود، و كرهه الشديد للعروبة و العربية، و ما اصطلح عليه بالعائلة الثورية.

الحكاية –إذن- ترجع إلى طفولته المبكرة حيث غادر قريته الواقعة غرب البلاد، بالقرب من مدينة بلعباس غادرها إلى الأبد، متجها إلى الجزائر العاصمة، هروبا من القيل و القال و أحاديث سكان القرية و ألسنتهم النارية التي لا ترحم أبدا.

الحادثة تعود إلى أواخر ثورة التحرير المباركة، عندما داهم فريق من اللفيف الأجنبي بيتهم ذات ليلة صيفية مداهمة دورية كان يقوم بها المستعمر الفرنسي و أذنابه من الحركى، و قد صادفت المداهمة غياب والده الذي كان يقوم بمهمة مماثلة في حي آخر من أحياء القرية، كان عمر الصبي آنذاك لم يتجاوز السنوات الخمسة، لكن الحادثة قد ارتسمت في ذهنه و إلى الأبد. و قد راح يبكي و يصرخ، و هو يرى العساكر، و قد طرحوا أمه أرضا، و راحوا ينزعون ملابسها بوحشية و يفعلون فيها ما كان أبوه قد فعل أيضا، ذات ليلة صيفية.

تلك الحادثة المؤلمة قد بقيت ملامحها راسخة بشكل ضبابي في ذهنه، و عندما بلغ سن الشباب أصبح يكره كل ما له صلة بالثورة و الثوار.. و هي الحادثة التي دفعت أمه لترك القرية مباشرة بعد الاستقلال، لأن زوجها قد اختار السفر إلى فرنسا مع أمثاله من الأذناب و بقيت وحيدة منبوذة، لا عائل لها، و كانت حين يسألها ابنها الطفل عن والده، تخبره أنه مات في الثورة، و كان حين يسأله أترابه عن والده يقول لهم أنه مات في الثورة، فيقولون له إذن أنت ابن شهيد مثلنا، و من يومها صار يدعي أنه ابن شهيد و في واقع الأمر أنه كان يكره الشهادة و الشهداء، دون أن يعرف سببا لذلك.

و يضيف صديقنا المولع بالتاريخ مازحا: عل الياء أضيفت إلى اسمه خطأ، لأن اسم العائلة اسم عربي قح، و لم يشر المؤرخون إلى وجوده في منطقة بلعباس.

٭٭٭

لقد عرفتم –إذن- لماذا يكره صديقي الانتهازي العائلة الثورية و الثورة و الشهداء. و الحادثة التي رويتها لكم في تفسر إلى حد بعيد ذلك السلوك المتناقض، و تسامحه اللامتناهي مع اليهود و الفرنسيين، هذا السلوك الذي سيظهر بشكل مفضوح بعد عودته من منفاه الإرادي-فرنسا- التي اختارها مأوى طيلة العشرية السوداء، هروبا من الإرهاب الذي يطال "المثقفين".

ما يلفت الانتباه في سلوكات صديقي الانتهازي هو عودته المؤقتة إلى الجزائر، ليتقلد منصبا هاما على رأس مؤسسة من مؤسسات الدولة الكبرى... قلت مؤقتة لأن زوجته المحامية رفضت البقاء في الجزائر، و فضلت العودة إلى مكتبها في باريس، رغم أنها حصلت رفقة زوجها على شاليه محترم في نادي الصنوبر بجوار علية القوم.

بعض العارفين بأمور صديقي الانتهازي، فسروا ذلك برغبة الزوجة في البقاء قرب ابنتها المتزوجة بيهودي في فرنسا، لذلك اعتبروا العودة مؤقتة حتى و لو طالت قليلا.. و هي عودة بمهمة خاصة-إن شئتم- و هي الدفاع عن مصالح"فافا الثقافية"

قد يقول البعض، أنك تبالغ في إطلاق الأوصاف و الوقائع و الصفات، و واقع الأمر أن ما قلته من أوصاف و أحداث هو نقطة في بحر، لأن مواصفات و سلوكات صديقي الانتهازي، قلما تجتمع في شخص واحد، و لكنها اجتمعت في هذا الذي أحدثكم عنه.

تصوروا أنه يرفض استقبال الموظفين التابعين لمؤسسته، و أنه يعتبر نفسه واحدا من مائة حركوا الجزائر ثقافيا و سياسيا إلى جانب كاتب ياسين و علولة.. لذلك فالمنصب الذي هو فيه لا يعنيه كثيرا و لا يليق بمقامه، و قد قبله على مضض، بل و على أمل تقلد منصب وزاري، لأنه مدعوم من طرف أصدقائه هناك. نعم، ذاك هو الشعور الذي عشش في مخ صاحبنا، الذي أصيب بغرور عجيب، ممزوج بالشعور

و العظمة.

صديقي الانتهازي، قد صار يدعي بأنه العارف في كل العلوم و الفنون، و أنه هو الذي أبرز دور المرأة الجزائرية قبل "شاهين"، و أن "عالم البعوش" لا تصلح للعرض سوى عند "عالم البعوش" و الرعاع من الجزائريين، و هلم استخفافا بدور المثقف الجزائري. كيف لا و هو الأمر الناهي، و هو الناقد الصنديد

و المسرحي العتيد، و السياسي الرشيد، و لله في خلقه شؤون و شؤون.

ذلكم هو صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع": هو كما أسلفت، يحب اليهود و الفرنسيين،

و الجزائريين أيضا، و هناك حب و حب.

نعم... هذا هو الصنف القادم من هناك، و هو الذي سيحكمنا في المستقبل، و يتحكم في مصائرنا، و لنا عودة مع حكاياهم المثيرة، و ما أكثرها!.

حكايا صديقي الانتهازي

مستر أراضي يخاطبكم

كنت أحكي لبعض الأصدقاء عن وقائع مثيرة للضحك، بطلها صديقي الانتهازي الذي انقطعت عني أخباره لعدة سنوات.لقد كان خير مؤنس لي في سنوات الأزمة، سنوات الإرهاب الدامي، و قد جمعتنا في تلك الظروف لنجد أنفسنا نسكن في حي واحد، فكنت أستمع مكرها لحكاياه و مغامراته التي لا تنتهي، و لكن رغم ذلك فقد كنت أجد فيها جزءا من المتعة رغم ما تخفيه من مواقف انتهازية.

وقتها أطلقنا عليه "مستر أراضي" لأنه كان دائم اللهاث وراء رؤساء المندوبيات، طالبا منهم قطع أراضي، ليعيد بيعها، مستغلا في ذلك منصبه و نفوذه "الانتقالي"، و قد كان يفلح في كثير من الأحيان في تحقيق مطالبه و رغباته.

صديقي هذا، كان بطلا لحمل الأثقال، أو هكذا كان يبدو على الأقل،

و قد تدرج في انتهازيته إلى أن غدا شخصيته يحسب لها ألف حساب، إذا أصبح عنصرا بارزا من عناصر المرحلة الانتقالية.

المفاجأة الكبيرة أحدثها صديقي الانتهازي هذا الأسبوع، بعد غيابه الطويل عن الساحة الانتهازية و قد كنت وقتها احكي عن بعض مغامراته مع بعض الأصدقاء، و إذا بنا نتفاجأ به يطل علينا من وراء شاشة التلفاز، شاتما و متوعدا كل المسؤولين السابقين و واعدا منتخبيه بالجنة.

لقد ضحكت حتى "الثمالة" و ملء الشدقين كما يقال، و أنا استمع إلى هرائه و وعوده الكاذبة، و كنت أقول له، في قرارة نفسي، "ما هكذا تورد الإبل".. يا مستر أراضي"، و لمن تقرا زابورك يا..

صديقي الانتهازي عاد إذن للساحة الوطنية، و لكن هيهات، فالقطار قد مر و لم يعد يتوقف عند المحطات الثانوية. هذه واحدة من حكايا صديقي الانتهازي، و هي مثيرة للضحك والتعجب، وأنا الذي كنت أعتقد أن أمثاله قد زالوا من الخارطة السياسية، و لكن ها هم يترقبون المواعيد و يعودون، و العود ليس دائما أحمد.

صديقي، هذا و ثلة من رفاقه الذين تربعوا على رأس عديد الأحزاب المجهرية التي أنجبتها بداية التعددية السياسية، قد لجأوا إلى نجارة رابحة، تدر عليهم المال الكثير. فهم ضحوا يتصيدون الانتخابات المحلية والتشريعية و الرئاسية أحيانا، ليحققوا بطرق "قانونية" أموالا طائلة، ناهيك عن الألاعيب الأخرى التي يمارسونها مع رؤساء البلديات و مسؤولي المؤسسات العمومية، كالاستفادات من المشاريع التنموية عن طريق "الفيفتي فيفتي" أو بالترجمة العربية عن طريق "النص نص" أو "حكلي انحكلك"، لأنهم أسسوا لأولادهم و زوجاتهم شركات …. عليها بالمشاريع و الخيرات عن طريق الصفقات و الهبات.

و إذا عدنا إلى صديقي الانتهازي الذي أطلقنا عليه تسمية مستر أراضي وثلة من الانتقاليين و مسؤولي الهيئات المجهرية، قلت أنهم تفننوا في اصطياد الفرص و المناسبات الانتخابية ليثروا الثراء الفاحش،

و حتى لا أتهم بالمبالغة، أسوق بعض الأمثلة التي تميط اللثام عن بعض الممارسات التي تتيح لهم الثراء بطرق شبه قانونية.

صديقي مستر أراضي كان يبدأ نشاطه الانتهازي، سنة قبل الشروع رسميا في الانتخابات المحلية : البلدية و الولائية، و كذلك يفعل بالنسبة للانتخابات التشريعية و الرئاسية، فكان يجوب البلاد، بلدية بلدية، و دائرة دائرة، و ولاية ولاية، ينصب فيها مسؤولين ممثلين عن هيئته السياسية، و يطلب منهم إعداد قائم انتخابية تحت لواء التنظيم، و يصطاد في ذلك العباد الذين لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية المعروفة، فيختار أكثرهم انتهازية و عبادة للمسؤولية،

و أيسرهم مالا، ليكلفه بإعداد قوائم انتخابية باسم تنظيمه السياسي، ليتولوا هم بدورهم اختيار بقية أعضاء القائمة الانتخابية و ترتيبها وفق المقاييس و الشروط و الصفات المذكورة، بعد إقناعهم بالمستقبل الباهر الذي ينتظرهم بعد فوزهم في الانتخابات مقابل مبلغ مالي يدفعه كل مترشح. أما متصدرو القوائم، و الذين يتلوهم في الصدارة من ذوي المراتب الثانية و الثالثة، فيدفعون مبالغ أكبر، قد تصل إلى حد مائة ألف دينار جزائري"للرأس" و تخيلوا المبالغ المالية التي يدّرّها كل موعد انتخابي و تذهب إلى جيب الرأس المدبّر.

المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، و عند الانتخابات المحلية، بل تتعداها إلى الانتخابات التشريعية و الرّئاسية، و لكل موعد فوائده الخاصة، و لا تنسوا اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التي تكون ممثلة من رؤساء التنظيمات المشاركة في العملية الانتخابية و التي تكون عادة من حظ "الرّئيس" الذي يحظى بمكافأة يومية معتبرة طيلة المدة المحددة للعملية الانتخابية.

كل هذا ليس مهما أمام الظهور في "اليتيمة" عفوا في التلفزة الوطنية، ليخاطب الجماهير المسكينة في هذه المناسبات العظيمة التي –مع الأسف- لا تتكرر كثيرا، و لو كانت المسؤولية لصديقي "مستر أراضي" لجعلها مرّة كل سنة ليعم الخير على الكثير، هاهو يطل علينا، إذن صديقي "مستر أراضي" يطل علينا من شاشة التلفاز.