الجنون فنون
صديقي الانتهازي، الذي كنت قد حدثتكم عن مغامراته و سلوكا ته و تصرفاته مرارا، قد عاد هذه الأيام للظهور بعد انقطاع دام طويلا، و هو الآن يستعد للظهور على الساحتين الدولية و الوطنية.
غيبته الطويلة هذه، يقول العارفون بمغامراته و حكاياه، قد خصصها لدراسة القانون، و دخلاته و خرجاته و منعرجاته.
صديقي الانتهازي هو من أصول ريفية، و لكنه آل على نفسه أن يقطع كل صلة بالريف.. لذلك، راح يتفنن قي شراء أصناف المساحيق ليزيل بها آثار السمرة،و كل ما من شانه أن يذكره بقريته الجبلية في الشرق الجزائري، و قد انفق في ذلك الكثير من المال، و تدرب طويلا على تغيير لهجته ليظهر بمظهر العاصمي المتحضر، و قد حاول أيضا تعلم اللغة الفرنسية بكل ما أوتي من مال و قوة، لكن خلايا مخه أبت أن تتقبل لغة أخرى غير لغة الريف الذي نشأ و ترعرع فيه، فهو بالكاد ينطق القاف قافا، بل في كثير من الأحايين تخرج كافا، فينفضح أصله الذي اجتهد كثيرا في إخفائه، بل التنكر له.
صديقي الانتهازي هذا قضى سنوات في منطقة تيزي وزو، محاولا التقرب من علية القوم، و زعماء العروش الفاعلين في المنطقة، ليتسنى له التسلل للمهمات العليا في الدولة، لأنه يدرك أن هؤلاء القوم بيدهم الحل و الربط، و قد كان كثيرا ما يحدثهم في جلساته عن جده الأكبر الذي عاصر و عاشر"لا لا فاطمة انسومر" و هاجر إلى الشرق الجزائري خوفا من الاستعمار الفرنسي، و هلم حكايات و ادعاءات تظهره بمظهر المناضل، سليل العائلة الثورية.
صديقي الانتهازي نجح في شيء قلما ينجح فيه الأطباء الجراحون، وهو تغيير سحنة وجهه من السمرة إلى الشقرة.
نعم، لقد صار بقدرة قادر أشقر، وهذا هو العجب العجاب، الذي حيّر حتى الأقربين و العارفين بمراحل نموه و دراسته و تدرجه الوظيفي.
حكايا صديقي الانتهازي كثيرة و مثيرة، و هو يحاول دائما أن يظهر أمام زملائه و جلسائه بمظهر الودود، الطيب، المخلص، الوفي، الخدوم، المتفاني في خدمة العروبة و الوطن، و لكنه في الوقت ذاته مستعد لأن يبيعك بدينار إذا لم يجد فيك ما يرضي رغبته و مصلحته.
أما توجهه السياسي- إذا رغبت في ذلك- فهو متعدد و متلون، تلون صاحبي، فإذا كان في تيزي وزو و ما جاورها، فهو أٍرسيدي أحيانا أو أفافاس ، أما إذا كان في الشرق أو في الأوراس، فهو إصلاحي أو حماس، و هو باختصار يجسد التعددية في الجزائر، و هو النموذج الحي لحال حركتنا السياسية.
هذه بعض ملامح صديقي الانتهازي في خرجته الجديدة التي يود من خلالها التوغل في المناصب السياسية العليا.
***
جاءني ذات صباح مبتسما مستبشرا، فاتحا ذراعيه، فقلت في نفسي: انه يعد لشيء كبير، و ما إن أتم ترحيبه و قبلاته حتى بادرني قائلا:
- أنت مدعو لمشوي يوم الجمعة.
و حدد لي المكان و الزمان، و انتقل لتقبيل زميل آخر، بنفس الحماس و" الحب" و لم ينس طبعا أن يدعوه للمشوي، ما دام في الأمر" إن". و ما إن انصرف صديقي الانتهازي حتى بادرني زميلي بالقول:
-أتعرف المناسبة التي دعانا أليها صديقنا؟!
قلت عله زوج أحد أبنائه أو إحدى بناته.
قال: لا... أنسيت بأنه مترشح لمنصب عال؟!
فهمت سر محاباته لي، هذه الأيام و كثرة مهاتفاته لي، و السؤال عن صحتي و صحة الأولاد و العائلة، و كان يختمها دائما بعرض خدماته، وكنت أنا من جهتي أحاول أن أقتصد في الكلام لإنهاء المكالمة في أقرب وقت.
لقد قال لي زميلي أن صاحبنا الانتهازي اتخذ الترشح لذلك المنصب مطية لمنصب أعلى، منصب اقل ما حلم به شخص في الدنيا، لأنه منصب عال جدا، قد يجعله بين عشية و ضحاها الرجل الأول الذي يتحكم في البلاد و الرقاب و العباد.
ثم أضاف، لا تتعجب، فهذا الصنف من البشر، يمكن أن يتحقق حلمه "فالجنون فنون" و هو ما دام قد وصل إلى ما هو فيه من جاه و مال، و هو على هذا القدر من الغباء، فيمكنه أن يحقق كل أحلامه التي تبدو لك ضربا من الخيال، و هذا الصنف من البشر يمكنه في الوقت نفسه أن ينبطح أرضا، و يقدم لك التنازلات إذا ما شعر بأن الأمور في غير صالحه لكنه لا يتوانى في أن يعيد الكرة، و يواصل مخططاته
و تخطيطا ته ليحقق ما رسمه لنفسه من طموحات.
صديقي الانتهازي يبدو ظريفا و لطيفا و قد آلفه الأصدقاء، لذلك صاروا يماشونه في جنونياته
و ممازحاته الثقيلة، التي يسعى جاهدا إلى تلطيفها ليتقبله الناس.
أما حكايته مع الانتخابات، فهي حكاية لا تقل طرافة عن سابقاتها، و لكن فبل أن أتطرق إليها لابد من إنصاف صديقنا الانتهازي، فله أوصاف و مزايا، و خصالا و مناقب، لا تحصى و لا تعد.
صديقي الانتهازي من "مزاياه" الكذب المفضوح، فإذا ضرب لك موعدا، فلا تتعب نفسك في الذهاب إليه، لأنه لا يجيء أبدا، و لا يلتزم أبدا بمواعيده، و إذا واجهته بعدم التزامه بالموعد، لا يتوانى في التأكيد لك بأنه أتى في الموعد المحدد،و يعزو عدم اللقاء إلى سوء تفاهم في الوقت، و إذا أصريت على تحميله مسؤولية مخالفة الموعد، يجيبك ضاحكا، و بكل برودة:" لقد كدت أجيء".
و لكن إذا كانت له مصلحة في اللقاء بك، فانه سيعثر عليك، مهما اجتهدت في الاختفاء.
و من صفاته و مميزاته إن شئت، هو الحديث الدائم عن والده المجاهد الكبير، الذي يكاد –حسب حكاياته- يكون صانع الثورات كلها.
هو يلجأ إلى هذا النوع من الحديث ليحتمي بماضي والده المشرف، لأن ماضيه هو، ليس فيه ما يحكى أو يلفت الانتباه.
من حكايا صديقي الانتهازي الطريفة، التي سبقت حملته الانتخابية، أن دعا أكثر من مئة شخص لعشاء فاخر في مطعم فاخر.
و من عجيب الصدف أن المدعوين كلهم حضروا في الموعد المحدد، فسقاهم صاحب المطعم مشروبات باردة في انتظار مجيء الداعي، و بعد انتظار طويل، حاول صاحب المطعم الاتصال بصاحبنا في المنزل، لكن كان يرن في الهواء.
و حاول بعض أصدقائه الاتصال به، في هاتفه النقال، لكنه ظل مقفلا أو خارج الخدمة، و في نهاية المطاف اضطر الجميع للانصراف.
و في الغد أشاع صاحبنا الذي اختفى عن الساحة أنه تعرض لحادث مميت، لكن الحقيقة غير ذلك، لان صاحبنا فوجئ في آخر لحظة، بشطب اسمه من قائمة المرشحين.
هذه بعض حكايا صديقي الانتهازي، و إلى أن نلتقي مع حكايا أخرى و مع صديق آخر أستودعكم الله،
و لا أتمنى لكم أن تقعوا في مقلب مماثل لما وقع لضيوفه المساكين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق