الاثنين، 4 أكتوبر 2010

في انتظار التنصيب

قالت زوجتي و هي تتصفح إحدى الجرائد

ـــ هاك...اقرأ هذا الخبر

ـــ أي خبر؟

ـــ خبر يخص صديقك الانتهازي

ـــ أيهم أنهم كثر!

و رمت الجريدة أمامي.. و تركتني، ألتهم الخبر التهاما، و أضرب كفا بكف.. و أتلهف لمعرفة الشخص المعني بالخبر.

لقد صيغ الخبر بطريقة، غامضة، و مثيرة و غير مباشرة، و الخبر لا يذكر شخصا باسمه، و إنما يلمح لذلك تلميحا، و هو مكتوب بطريقة مفتوحة على عدة احتمالات.

و لا أخفي عليكم... فقد اجتهدت كثيرا في معرفة الشخص المعني بالخبر، لأن متنه، أقصد متن الخبر يقدم معلومات و أوصافا، تنطبق على الكثير من أصدقائي.

من هذه المعلومات مثلا غيابه المفاجئ، وقت المحنة العصيبة التي كانت تمر بها البلاد.. أقصد محنة الإرهاب الهمجي الأعمى، واختياره العيش خارج الوطن، و تحديدا في إحدى البلاد الأوروبية..

و هذه المعلومة لا تعني شخصا واحدا، لأن العديد من الأصدقاء المثقفين هربوا وقت الأزمة، و اختاروا العيش في باريس، و بعضهم في بريطانيا و بلجيكا، و آخرون خنقتهم الرجلة و العروبة، فاختاروا اللجوء إلى بعض البلدان العربية، لكن سرعان ما هربوا أو هربوا منها.

و لأن العديد أيضا من الذين تركوا البلاد، كانوا يعيشون على صدقات الجمعيات الخيرية الأوربية، و على صدقات بعض الجهات الداعمة للإرهاب في الجزائر، لتبقى البلاد تابعة لفافا، و تظل مرتعا خصبا للتجارب و موردا اقتصاديا مضمونا و تبعية دائمة.

كل هذا ليس مهما عند هذه الفئة من الناس: فكل شيء يهون في سبيل الحصول على اللجوء السياسي كخطوة أولى ثم الجنسية في مرحلة لاحقة، و هكذا يضعون – كما يقال- رجلا هنا و رجلا هناك و لما لا، مرتب هنا و مرتب هناك.

و من المعلومات التي كان يشير إليها الخبر أيضا، ما كان يشيعه في الأوساط الإعلامية

و الثقافية والسياسية من أخبار حول متابعات و ملاحقات مشبوهة من طرف الجماعات الإسلامية و من جهات ما في السلطة، و هذه صفة أيضا لا تخص شخصا بعينه، لأنها تنطبق على الكثير من الناس، غير أن المثير في الخبر هو قدرة هذا الشخص على نسج علاقات متينة مع جماعات ضاغطة و فاعلة في السلطة، بحكم انتمائه الفئوي و المصلحي

معا.. و الأدهى من كل ذلك، أنه أقنع جهات نافذة في السلطة باستمرارية راتبه الشهري في الجزائر، مقابل إرسال معلومات و تقارير عن نشاط الجالية الجزائرية في أوروبا و خاصة

عن الفئات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بدعم الإرهاب بمختلف الوسائل.

و ما أضافه الخبر من معلومات جعل الأمور تختلط في ذهني، ولم أعد أعرف الشخص المعني بالخبر، و خاصة حين أشار إلى أن المعني كان يستعمل باروكة و لحية في تنقلاته داخل الوطن و خارجه لكي لا يعرفه حتى المقربون من أصدقائه، و أنه كان في أوروبا يقصد الجمعيات الخيرية المختلفة و يطلب منهم مساعدات مادية.

و مما ورد أيضا في الخبر أن صديقي هذا، قد عرضت عليه عدة مناصب عالية، لكنه رفضها تعففا و زهدا في المنصب، لأنه آثر أن يخدم الوطن بطرق أخرى أكثر جدوى.

و في الوقت ذاته كان يبحث عن موقع هام خاصة، بعد استقرار الأوضاع.

و لا تعجبوا إذا قلت لكم أن صديقي الانتهازي قد خطط لمنصب ما، و نجح في خطته، وقد انتظر العارفون بألاعيبه و أموره أن يعلن فقط رسميا عن يوم الإعلان الرسمي للتنصيب.

ولا تتعجبوا، أيضا إذا قلت لكم أن العديد من المناصب الحساسة، ستكون لأمثال هؤلاء الذين تركوا البلاد وقت حاجتها إليهم.

كانت زوجتي تنظر إليّ مبتسمة، و هي تراني أقرأ الجريدة و أعيد قراءة الخبر، و علامات الدهشة و التعجب بادية من خلال تعابير وجهي، قالت زوجتي، لا تتعب نفسك في معرفة الشخص المعني، لأن كاتب الخبر عمد التمويه، و حتى لا تتابع الجريدة بتهمة القذف، و من يدري علّ المعني بالأمر يمكن أن يصير وزيرا للإعلام و الثقافة، فيعمد إلى خلق متاعب للجريدة أو لعلّ الجريدة عمدت إلى ذلك خدمة لخطها و توجهها السياسي... لأن لذلك قصة أخرى سنعود إليها في إحدى الحكايا القادمة.

خيطت كفا يكف، لأني لم أعد أدرك الصح من غيره، و قلت في نفسي "عيش أتشوف" و أن غدا لناظره قريب.

أضافت زوجتي مقهقهة:

- أما أنا فقد عرفت الشخص المعني، لقد أخبرتني عنه زوجته القادمة منذ فترة قصيرة من باريس، نعم، إنها تعد العدّة لذلك، و هي تنتظر فقط الإعلان الرّسمي للتنصيب، لتقيم الأعراس و الأفراح.

زوجتي إذن كانت تعرف من هو الشخص المعني، و الزوج آخر من يعلم، أعترف أني كنت ساذجا إلى حد الغباء، لأني لم أكن أعير اهتماما كبيرا للكثير من التصرفات و الحركات التي كانت تحدث أمامي، وقتها كنت ألتقي صديقي الانتهازي.

أذكر مرة أنه حدد موعدا مع السيد الوالي و اصطحب معه رسالة تهديدا، رسالة مكتوبة بخط رديء و معها قطعة قماش بيضاء... رسالة محتواها التهديد بالقتل من طرف جهات مجهولة، أما قطعة القماش فهي ترمز للكفن، روى لي الحادثة، دونها إشارة لدوافع هذا الفعل الذي أقدم عليه، و عرفت فيما بعد أنه نقل إلى السكن في منطقة آمنة، أطلق عليها فيها بعد إقامة الدولة، مخصصة لإطارات الدولة المهددين من طرف الجماعات الإسلامية، و كذلك الصحفيين الذين كانوا من الأهداف الأولى لهذه الجماعات.

صديقي، لم يكتف بهذا الحد بل دبّر موعدا مع جهات أمنية رفيعة، تلك الجهات قامت من جهتها – حفاظا على أمنه و حياته- بنقله إلى أحد الأحياء الهادئة في ولاية العاصمة، حيث لا يعرفه أحد، و حتى لا ينكشف أمره، قام – قبل سفره إلى الخارج- بتغيير الأبواب الخشبية بأخرى حديدية و بتسبيح النوافذ بالحديد المصفح، و هكذا ضرب عدة عصافير بحجر واحد: ضمان استمرارية مرتبه في الجزائر، و مسكن احتياطي في أحد الأحياء الرّاقية و مسكن أمني في إقامة الدولة، يستغله في العطل. هذه بعض المنافع التي جادت بها محنة الإرهاب.

و في انتظار تتويج كل الانتصارات بإعلان موعد التنصيب، أترككم في رعاية الأثرياء الجدد. و إلى أن يجمعني معكم موعد آخر، مع انتهازي أخر، أتمنى لكم صبرا كبيرا، و أنا متفهم معاناتكم سلفا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق