الاثنين، 4 أكتوبر 2010

ابن رشد زمانه

خرجات صديقي الانتهازي كثيرة و مثيرة... متميزة و حقيرة أحيانا... لكنها تظل حكايا ملفتة للانتباه، يتداولها الناس في لحظات السمر، يتندرون بها، و يستدلون بها على الجرأة و الوقاحة في آن واحد، ما أرويه لكم ، كان من قبيل الصدفة و لولاها، ما كنت حضرت هذا الفصل من حكايا صديقي الانتهازي.و قبل ان اروي لكم هذه الحادثة أروي لكم حادثة متميزة و شيطانية، هندسها صديقي، بإحكام! الحادثة تعود وقائعها إلى سنوات الأزمة، أو العشرية السوداء، كما يحلو للبعض تسميتها، و كانت تلك الحادثة بداية لحكايا أخرى مثيرة.

لقد حز في نفس صديقي الانتهازي أن يقرأ و يسمع يوميا أخبارا عن اغتيالات، ضحيتها مثقفون و صحفيون و قضاة و ر جال أمن.. فعنت له فكرة شيطانية، لا تخطر ببال أحد، و هي أن يحدث ضجة ما، تلفت انتباه الرأي العام، ليكون موضوع حديث الصحافة العربية و الأجنبية.

هذه الحادثة ستكون لها فائدة مزدوجة، ستسهم من جهة في صرف النظر عن الثغرة المالية الكبيرة، التي اكتشفت في المؤسسات الثقافية التي كان يديرها، و من جهة أخرى ستجلب له شهرة منقطعة النظير، و ربما ستمهد له الطريق للسفر إلى الخارج، هربا من المتابعة القضائية، و هروبا من الإرهاب الذي يطال المثقفين، خاصة و أنه ينتمي إلى فئة من المثقفين، التي ركبت موجة اليسار الراديكالي في السبعينات.

لقد نجح صديقي الانتهازي إلى حد كبير، في خطته الشيطانية، إذ كاد يصدقها الكثير من معارفه، و قد انطلت بنسبة كبيرة على الرأي العام، الذي تفاعل مع الحادثة، و أبدى أسفا و تعاطفا كبيرين على ما حدث لصديقي الانتهازي.

لعلكم تذكرون الحادثة الآن، و لكن لا بأس من تذكيركم بها. لقد لجأ صديقي الانتهازي ذات صباح من صباحات الزمن الدامي إلى حشو أنبوب احتراق البنزين بحبة بطاطا! فكمم منفسها، و عند انطلاق السيارة سمع دوي هائل، أرعب سكان الحي الذين هرعوا إلى مصدر الصوت لاستطلاع الخبر، و ما هي إلا لحظات حتى رأوا جارهم (أقصد صديقي الانتهازي) و هو يلهث مع ابنته الصغرى، تاركا سيارته في منتصف الطريق.

و هكذا أشاع صديقي الانتهازي بين معارفه و جيرانه انه تعرض لمحاولة اغتيال، فانتشر الخبر كانتشار المرض في الهشيم، بين الجدران و في أحياء المدينة المختلفة، و في الصحافة المحلية و الوطنية. و هو الشئ الذي مهد له الهروب إلى فرنسا خوفا من "المتابعة القضائية" و هناك متابعة و متابعة. صديقي الانتهازي لم يكتف بهذا الحد،بل أشاع في الصحافة الفرنسية، بأنه تعرض- فضلا عن محاولة الاغتيال – إلى حرق كتبه في الساحات العمومية من طرف الظلاميين و الإسلاميين، حتى يكسب عطف اليسار الفرنسي، الذي كان يتصدق عليه ببعض الفرنكات!.

انقطعت أخبار صديقي الانتهازي.. و لم اعد اسمع عنه الكثير، عرفت فيما بعد أنه فصل من عمله الأساسي في الجزائر. لكن المفاجأة الكبرى ما سأحكيه لكم في هذه المرة و هو فصل مثير من حكابا صديقي الانتهازي.

.....

اضطرتني الظروف إلى قضاء ليلة في دولة أوروبية، لأواصل بعدها رحلتي إلى دولة عربية لحضور مؤتمر ثقافي، فكان أن دعاني أحد الأصدقاء المقيمين هناك إلى حضور ندوة صحافية من تنشيط أحد كبار المثقفين المقيمين حديثا في هذا البلد الأوروبي. لم أسأل عن صاحب الندوة، و لا على الجهة التي نظمتها، لأننا في بلد ديمقراطي يعج بالجمعيات و المنظمات و التنظيمات. لبيت دعوة صديقي دونها استفسار و قصدنا الحي اللاتيني الذي يعج بالجاليات من كل الأجناس، و موطن و ملتقى كل الثقافات. وصلنا مع بداية الندوة و جلسنا في زاوية من زوايا القاعة، بحيث يسهل علينا الانزلاق و الخروج، دون أن يتفطن لذلك الحاضرون...

كان المتحدث في المنصة، قد استرسل في سرد بعض من معاناته بصوت خافت و حزين، جعل من في القاعة، يتابعون باهتمام كبير حركاته

صرت أخرج في كل مرة إلى عملي متنكرا في زي جديد ألبس باروكة و أضع شنبات مثلما يفعل المتنكرون في الحفلات التنكرية، و راح المتحدث ينزع من على رأسه الباروكة و يضعها في حقيبة كان قد وضعها بين رجليه و كذلك فعل بالنسبة للشنبات –يا الهي انه صديقي، عرفته... لقد كانت المفاجأة عظيمة.. انه صديقي الانتهازي الذي راح يحكي بإسهاب للحاضرين عن مغامراته التنكرية و ملاحقة الإرهابيين له، و لأفراد عائلته، كل هذا من أجل أن يجلب المزيد من التعاطف. كان الحاضرون مبهورين، يبدو عليهم الاهتمام الكبير لما يرويه صديقي الانتهازي.. و لما شعر بسيطرته على القاعة راح يتفنن في نسج آخر حكاية من الحكايا التي خصصها لندوته الصحفية. لقد ذكر لهم كيف أن مؤلفاته سحبت من المكتبات، و جمعت و حرقت في الساحات العمومية، لأنها كتب ضد الظلام و الظلاميين، و تدعو للتفتح و العصرنة. لحظتها تذكرت ابن رشد المسكين، و تأهبت للخروج دون أن يتفطن إلى وجودي أحد تاركا ابن رشد زمانه، يروي لهم، تخاريفه و أكاذيبه، طمعا في بعض الفرنكات، و في إقامة مؤقتة في هذا البلد الأوربي الجميل..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق