الاثنين، 4 أكتوبر 2010

سواهي .. و دواهي

في حياة صديقي الانتهازي محطات تعود إلى عهد انتمائه لبعض التنظيمات الشبانية، محطات قد تبدو عادية و غير مهمة، لكنها في واقع الأمر بالغة الأهمية، وغير عفوية تماما. أنا شخصيا كانت تبدو لي تصرفات عادية جدا، و لكن فيما بعد تأكدت أنها حركات و تصرفات مدروسة، ستكون لها فائدة كبيرة في يوم ما..

إذن فصديقي الانتهازي كان يخطط لشيء ما، لم يفصح عنه يوما لأحد.

صديقي الانتهازي كان يختار دائما مرافقة أبناء الشخصيات" عسكرية كانت أو سياسية" في الرحلات التي كانت تنظمنها مؤسستنا الشبانية، و كان دائما يطلب أرقام هواتف أولياء أمورهم ليطمئنهم أثناء و بعد الرحلة، ليظهر في مظهر الحريص الأمني، و هكذا بدأ في نسج علاقات كبيرة مع مختلف الشخصيات الفاعلة و مع أبنائهم الذين كان يرافقهم في الرحلات، داخل و خارج الوطن. صديقي الانتهازي لا يمكنك إلا أن تحبه و تحترمه لأنه يحرص دائما على أن يكون ودودا و طيبا مع كل الناس، و حين يخاطبك لا يجرؤ على رفع عينه، أو ينظر في وجهك، بل يطأطئ رأسه و يكلمك بصوت منخفض. صديقي الانتهازي لم يكن يعير اهتماما للدراسة، لأن العمل السياسي قد أخذ كل وقته و اهتمامه. افترقنا بعد مرحلة الدراسة و لم أعد أراه أو أسمع عن أخباره لأنني التحقت بعالم الشغل و تركته في مقاعد الدراسة يعيد السنة تلو الأخرى، و عرفت فيما بعد انه لم يكمل دراسته الجامعية و لكن المفاجأة الكبرى التي لم أكن أنتظرها هي أنني ذات يوم و أنا أتابع نشرة الأخبار أسمع اسم صديقي الخجول الودود، أقصد الانتهازي، في قائمة المعينين بمناصب عليا. تملكني الذهول، لم أصدق ما سمعت و لكن تذكرت المثل القائل" يا ما تحت السواهي من دواهي".

و رحلت استعرض شريط علاقتي بصديقي الانتهازي.

.

هو أنت إذن أيها الملعون، أتذكر الآن، داك الوقت الجميل: وقت كنا نخرج معا في رحلات شبانية لا تنسى، و أتذكر كيف كنت حريصا على ربط العلاقات الوطيدة مع أولياء الشبان الذين كنا نصطحبهم في الرحلات المنظمة من طرف تنظيمنا، و لم أكن أدري أنك كنت –بتوددك و تلطفك وحرصك الشديد على العلاقة بينك و بين الأطفال و أوليائهم- أنك كنت تخطط تخطيطا جهنميا للوصول إلى ما وصلت إليه الآن و ما ستصل إليه غدا.( و إن غدا لناظره قريب).لقد تمكنت في ظرف قياسي عجيب من حرق العديد من المراحل، بل المراحل كلها لتغدو بين عشية و ضحاها إطارا ساميا توجه له الأنظار و تشد إليه الرحال و يحسب لكلامه ألف حساب.

نسيت أن أقول لكم أن صديقي هذا قبل أن يصل الى ما وصل اليه الآن قد

جمع - في بداية خطته – الكثير من المال، عن طريق السلفة و بيع ما يمكن بيعه، و رهن ما يمكن رهنه ، حتى يبدو بمنظر الغني الميسور ، وقد ساعدته في ذلك الظروف: إذ طلب منه أحد أولياء الطلبة الذين كان يرافقهم أن يحرس له "فيلته" أثناء فترة غيابه ،التي قد تطول إلى أكثر من سنة.

فالمال موجود، إذن، و المسكن المريح موجود أيضا، و في حي سكني فاخر، فما بقي له إلا أن يشرع في تنفيذ خطته بإحكام.

البداية كانت باختيار اليوم المناسب، الذي يدعو فيه ضيوفه من الشخصيات النافذة ، ولم يكن سهلا عليه التوفيق في اختيار ذلك اليوم، لولا الاستشارة الواسعة التي قام بها لدى المقربين من أصدقائه، خاصة و أنه أعزب :لا أبناء و لا بنات لديه، يسهلون له اختلاق المناسبة. وفي نهاية المطاف، و بعد البحث و التحري، واستعراض المناسبات و التواريخ المهمة في حياة البلاد و العباد، كان الاتفاق على مناسبة عيد الاستقلال .

ولا أخفي عليكم أن صديقي الانتهازي، قد نجح نجاحا باهرا في الحفل الذي أعده ليطبق خطته الجهنمية ، بداية من بطاقات الدعوة المذهبة، و ديكور الفيلا الذي تفنن في تنسيقه بالورود الطبيعية و البشرية. أقصد الطالبات الجميلات اللواتي سهرن على راحة المدعوين، و انتهاء بنوعية المدعوين الذين يمثلون مختلف الأسلاك و الزمر، و الشرائح و جماعات الضغط. هذا الاختيار الذكي أبهر المدعوين، و راح كل منهم ينظر نظرة خاصة لصديقي الانتهازي، الذي بدا بين عشية و ضحاها من علية القوم.

أصبح كل منهم يقرأ له حسابا خاصا، آخذا الاعتبار الشخصية الخفية التي تسنده. تلك الشخصية التي كانت موضوع و همس الساهرين و ان لم تكن موضوع اتفاق بين الهامسين الساهرين، غير أنها كانت الشخصية الشبح التي هيمنت على أجواء السهرة.

و في نهاية السهرة، و بعد أن فعلت الخمرة فعلها، زالت الكلفة، أصبح الكل يتوددون إليه، و يدعمونه دون أن يشعروا بأنهم هم الذين سيكونون من صانعيه.

هذا هو صديقي الانتهازي الذي ينطبق عليه المثل العربي" يا ما تحت السواهي من دواهي".

.........

نسيت أن أقول لكم أن صديقي الانتهازي، الذي استعرضت لكم بعضا يسيرا من مخططاته الجهنمية الذكية جدا، انه لا يعرف للخمر طعما، و هي صفة يحسده عنها الكثير من معارفه و المتوددين إليه، و قد حاول الكثير من الندامى إغراءه بالشرب، لكنهم لم يفلحوا، و قد كان بذكائه الخارق، و لطافته و خجله، ينجح في الاعتذار لهم، و إذا ما ألحوا في الدعوة، يوعز أسباب امتناعه الى تعليمات طبيبه الخاص، و اذا ما كان في الجلسة حسنوات، فانه يمسك نفسه "الأمارة بالسوء" و لا ينسى أن يمرر بطاقة الزيارة خلسة، دون أن يشعر بذلك الندامى.

و هكذا صار رقم محموله الخاص، عند كل العاهرات، يلتقينه في خلوة بعيدا عن أنظار المتلصصين أو البصاصين.

صديقي الانتهازي يعرف في قرارة نفسه أن للبصاصين طرقهم الجهنمية لمتابعة أخباره و تنقلاته و تصرفاته، و هم قادرون على تجنيد العفاريت و شغالات البيوت والمكاتب، و السكرتيرات و العاهرات، و العابرات السبيل لمتابعة أخباره، و يؤمن أيضا بان السرقة ليست ممنوعة أبدا، و أن الممنوع هو أن يقبض عليك في حالة تلبس، لذلك تراه يبذل قصارى جهده في ألا يترك بصماته تدينه، لذلك امتنع عن الشرب (ليس تدينا) و اكتفى بممارسة البلايا الأخرى بعيدا عن الأنظار و البصاصين.

هذه محطة من محطات صديقي الانتهازي الكثيرة التي لا تحصى و لا تعد، و لا اخفي عليكم بأنني مبهور بذكائه الخارق، لأنه يستطيع أن يجعلك -إن كنت واليا- أو ميرا- تعرض عليه سكنا أو قطعة ارض في أرقى الأحياء، أو في أجمل المدن على الإطلاق، و هكذا استطاع –رغم حداثة سنة- أن يكون من الأثرياء و علية القوم، و يتبوأ أحسن المواقع.

و يا تحت السواهي من دواهي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق