الخميس، 16 سبتمبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

مستر أراضي يخاطبكم

كنت أحكي لبعض الأصدقاء عن وقائع مثيرة للضحك، بطلها صديقي الانتهازي الذي انقطعت عني أخباره لعدة سنوات.لقد كان خير مؤنس لي في سنوات الأزمة، سنوات الإرهاب الدامي، و قد جمعتنا في تلك الظروف لنجد أنفسنا نسكن في حي واحد، فكنت أستمع مكرها لحكاياه و مغامراته التي لا تنتهي، و لكن رغم ذلك فقد كنت أجد فيها جزءا من المتعة رغم ما تخفيه من مواقف انتهازية.

وقتها أطلقنا عليه "مستر أراضي" لأنه كان دائم اللهاث وراء رؤساء المندوبيات، طالبا منهم قطع أراضي، ليعيد بيعها، مستغلا في ذلك منصبه و نفوذه "الانتقالي"، و قد كان يفلح في كثير من الأحيان في تحقيق مطالبه و رغباته.

صديقي هذا، كان بطلا لحمل الأثقال، أو هكذا كان يبدو على الأقل،

و قد تدرج في انتهازيته إلى أن غدا شخصيته يحسب لها ألف حساب، إذا أصبح عنصرا بارزا من عناصر المرحلة الانتقالية.

المفاجأة الكبيرة أحدثها صديقي الانتهازي هذا الأسبوع، بعد غيابه الطويل عن الساحة الانتهازية و قد كنت وقتها احكي عن بعض مغامراته مع بعض الأصدقاء، و إذا بنا نتفاجأ به يطل علينا من وراء شاشة التلفاز، شاتما و متوعدا كل المسؤولين السابقين و واعدا منتخبيه بالجنة.

لقد ضحكت حتى "الثمالة" و ملء الشدقين كما يقال، و أنا استمع إلى هرائه و وعوده الكاذبة، و كنت أقول له، في قرارة نفسي، "ما هكذا تورد الإبل".. يا مستر أراضي"، و لمن تقرا زابورك يا..

صديقي الانتهازي عاد إذن للساحة الوطنية، و لكن هيهات، فالقطار قد مر و لم يعد يتوقف عند المحطات الثانوية. هذه واحدة من حكايا صديقي الانتهازي، و هي مثيرة للضحك والتعجب، وأنا الذي كنت أعتقد أن أمثاله قد زالوا من الخارطة السياسية، و لكن ها هم يترقبون المواعيد و يعودون، و العود ليس دائما أحمد.

صديقي، هذا و ثلة من رفاقه الذين تربعوا على رأس عديد الأحزاب المجهرية التي أنجبتها بداية التعددية السياسية، قد لجأوا إلى نجارة رابحة، تدر عليهم المال الكثير. فهم ضحوا يتصيدون الانتخابات المحلية والتشريعية و الرئاسية أحيانا، ليحققوا بطرق "قانونية" أموالا طائلة، ناهيك عن الألاعيب الأخرى التي يمارسونها مع رؤساء البلديات و مسؤولي المؤسسات العمومية، كالاستفادات من المشاريع التنموية عن طريق "الفيفتي فيفتي" أو بالترجمة العربية عن طريق "النص نص" أو "حكلي انحكلك"، لأنهم أسسوا لأولادهم و زوجاتهم شركات …. عليها بالمشاريع و الخيرات عن طريق الصفقات و الهبات.

و إذا عدنا إلى صديقي الانتهازي الذي أطلقنا عليه تسمية مستر أراضي وثلة من الانتقاليين و مسؤولي الهيئات المجهرية، قلت أنهم تفننوا في اصطياد الفرص و المناسبات الانتخابية ليثروا الثراء الفاحش،

و حتى لا أتهم بالمبالغة، أسوق بعض الأمثلة التي تميط اللثام عن بعض الممارسات التي تتيح لهم الثراء بطرق شبه قانونية.

صديقي مستر أراضي كان يبدأ نشاطه الانتهازي، سنة قبل الشروع رسميا في الانتخابات المحلية : البلدية و الولائية، و كذلك يفعل بالنسبة للانتخابات التشريعية و الرئاسية، فكان يجوب البلاد، بلدية بلدية، و دائرة دائرة، و ولاية ولاية، ينصب فيها مسؤولين ممثلين عن هيئته السياسية، و يطلب منهم إعداد قائم انتخابية تحت لواء التنظيم، و يصطاد في ذلك العباد الذين لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية المعروفة، فيختار أكثرهم انتهازية و عبادة للمسؤولية،

و أيسرهم مالا، ليكلفه بإعداد قوائم انتخابية باسم تنظيمه السياسي، ليتولوا هم بدورهم اختيار بقية أعضاء القائمة الانتخابية و ترتيبها وفق المقاييس و الشروط و الصفات المذكورة، بعد إقناعهم بالمستقبل الباهر الذي ينتظرهم بعد فوزهم في الانتخابات مقابل مبلغ مالي يدفعه كل مترشح. أما متصدرو القوائم، و الذين يتلوهم في الصدارة من ذوي المراتب الثانية و الثالثة، فيدفعون مبالغ أكبر، قد تصل إلى حد مائة ألف دينار جزائري"للرأس" و تخيلوا المبالغ المالية التي يدّرّها كل موعد انتخابي و تذهب إلى جيب الرأس المدبّر.

المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، و عند الانتخابات المحلية، بل تتعداها إلى الانتخابات التشريعية و الرّئاسية، و لكل موعد فوائده الخاصة، و لا تنسوا اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التي تكون ممثلة من رؤساء التنظيمات المشاركة في العملية الانتخابية و التي تكون عادة من حظ "الرّئيس" الذي يحظى بمكافأة يومية معتبرة طيلة المدة المحددة للعملية الانتخابية.

كل هذا ليس مهما أمام الظهور في "اليتيمة" عفوا في التلفزة الوطنية، ليخاطب الجماهير المسكينة في هذه المناسبات العظيمة التي –مع الأسف- لا تتكرر كثيرا، و لو كانت المسؤولية لصديقي "مستر أراضي" لجعلها مرّة كل سنة ليعم الخير على الكثير، هاهو يطل علينا، إذن صديقي "مستر أراضي" يطل علينا من شاشة التلفاز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق