الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

ديمقراطي حتى النخاع

بقلم محمد الصالح حرزالله

وردت إلي أخبار لم أتأكد بعد من صحتها، مفادها أن صديقي الانتهازي يعد الآن – بعد أن ترّبع على عرش مؤسسة هامة جدا للإطاحة برئيسه المباشر، ليصبح هو الكل في الكل- كما يقولون- و يصبح مسؤولا على قطاع هام من القطاعات الحيوية في البلاد.

لم أستبعد تلك الأخبار لأن طموحات صديقي الانتهازي لا يحدها حد، و ربما منصب الوزير الذي يعمل

و يخطط للوصول إليه، لا يكفيه رغم أنه يرضي في نفسه الكثير من الغرور و الطموحات.

يقي الانتهازي هذا من صنف خاص من الجزائريين، فهو في وقت مضى و قبل العشرية السوداء، كلن يشيع بين معارفه أنه من العائلة الثورية، و أنه رفض و لازال يرفض كل الإغراءات و الاستفادات التي تعرض عليه باسم الانتماء لهذه العائلة، من قطع أراضي، و مناصب و علاوات و منح و غير ذلك من الاغراءات.

نعم، يصر على رفضها، و هو المجاهد، و ابن الشهيد في الوقت ذاته، غير أن تصرفاته و سلوكاته تعكس حقدا دفينا على كل ما له علاقة بالثورة و المجاهدين و الجهاد و الشهداء، و هو الشيء الذي حيّر أصدقاء و المقربين منه، و لم يدركوا الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى ذلك.

في بعض الأحيان كان يعلل رفضه للعلاوات و الامتيازات، كونه لا يفرق بين أبناء الجزائر، و هو كديمقراطي يرى أن الجزائريين سواسية، لا فرق فيهم بين ابن الحركي و ابن المجاهد، و ابن اليهودي

أو الفرنسي الذي و لد و ترعرع قي الجزائر، و لا تتعجبوا إذا قلت لكم انه انضم في وقت مضى إلى زمرة من دعاة الديمقراطية و التقدم الذين دافعوا بشراسة على استضافة الفنان أنريكو ماسياس، و من المدافعين أيضا عن عودة الأقدام السوداء إلى "وطنهم" الجزائر.

و من يعرفون صديقي الانتهازي بعمق يدركون انه يكن عداوة دفينة لكل ما له علاقة بالثورة و الثوار

و لذلك أسباب دفينة لا يعرفها حتى المقربون منه، و لولا ولع أحد أصدقائنا بالتاريخ و الكواليس و الخفايا لما عرفت الأسباب الحقيقية التي صبغت و طبعت و صاغت صديقنا على هذه الشاكلة.

هذه المعلومات و إن شئتم الأسباب لا تزال في حوزة ثلة من الأصدقاء، رواها لهم صديقنا المولع بالأقاصيص الغربية و الحكايا العجيبة، و قد نقلها عن مشايخ القرية التي ولد فيها صديقنا الانتهازي،

و غادرها طفلا لم يتجاوز عمره الخامسة، حملته أمه هروبا من القيل و القال، و من مضايقات سكان القرية. تلك الصور و الأحداث بقيت عالقة بشكل ضبابي في ذهن صديقنا الانتهازي، الذي لم يعد منذ تلك الحادثة اللعينة لزيارة قريته و أقاربه.

٭٭٭

صديقي المولع بالتاريخ و البحث و الحكايا العجائبية. روى لي حكاية مثيرة قد تلقي الأضواء على الكثير من الزوايا المظلمة و المحطات الغامضة في حياة صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع"، و تفسر إلى حد بعيد تسامحه اللامتناهي مع الفرنسيين و اليهود، و كرهه الشديد للعروبة و العربية، و ما اصطلح عليه بالعائلة الثورية.

الحكاية –إذن- ترجع إلى طفولته المبكرة حيث غادر قريته الواقعة غرب البلاد، بالقرب من مدينة بلعباس غادرها إلى الأبد، متجها إلى الجزائر العاصمة، هروبا من القيل و القال و أحاديث سكان القرية و ألسنتهم النارية التي لا ترحم أبدا.

الحادثة تعود إلى أواخر ثورة التحرير المباركة، عندما داهم فريق من اللفيف الأجنبي بيتهم ذات ليلة صيفية مداهمة دورية كان يقوم بها المستعمر الفرنسي و أذنابه من الحركى، و قد صادفت المداهمة غياب والده الذي كان يقوم بمهمة مماثلة في حي آخر من أحياء القرية، كان عمر الصبي آنذاك لم يتجاوز السنوات الخمسة، لكن الحادثة قد ارتسمت في ذهنه و إلى الأبد. و قد راح يبكي و يصرخ، و هو يرى العساكر، و قد طرحوا أمه أرضا، و راحوا ينزعون ملابسها بوحشية و يفعلون فيها ما كان أبوه قد فعل أيضا، ذات ليلة صيفية.

تلك الحادثة المؤلمة قد بقيت ملامحها راسخة بشكل ضبابي في ذهنه، و عندما بلغ سن الشباب أصبح يكره كل ما له صلة بالثورة و الثوار.. و هي الحادثة التي دفعت أمه لترك القرية مباشرة بعد الاستقلال، لأن زوجها قد اختار السفر إلى فرنسا مع أمثاله من الأذناب و بقيت وحيدة منبوذة، لا عائل لها، و كانت حين يسألها ابنها الطفل عن والده، تخبره أنه مات في الثورة، و كان حين يسأله أترابه عن والده يقول لهم أنه مات في الثورة، فيقولون له إذن أنت ابن شهيد مثلنا، و من يومها صار يدعي أنه ابن شهيد و في واقع الأمر أنه كان يكره الشهادة و الشهداء، دون أن يعرف سببا لذلك.

و يضيف صديقنا المولع بالتاريخ مازحا: عل ا لياء أضيفت إلى اسمه خطأ، لأن اسم العائلة اسم عربي قح، و لم يشر المؤرخون إلى وجوده في منطقة بلعباس.

لقد عرفتم –إذن- لماذا يكره صديقي الانتهازي العائلة الثورية و الثورة و الشهداء. و الحادثة التي رويتها لكم في تفسر إلى حد بعيد ذلك السلوك المتناقض، و تسامحه اللامتناهي مع اليهود و الفرنسيين، هذا السلوك الذي سيظهر بشكل مفضوح بعد عودته من منفاه الإرادي-فرنسا- التي اختارها مأوى طيلة العشرية السوداء، هروبا من الإرهاب الذي يطال "المثقفين".

ما يلفت الانتباه في سلوكات صديقي الانتهازي هو عودته المؤقتة إلى الجزائر، ليتقلد منصبا هاما على رأس مؤسسة من مؤسسات الدولة الكبرى... قلت مؤقتة لأن زوجته المحامية رفضت البقاء في الجزائر، و فضلت العودة إلى مكتبها في باريس، رغم أنها حصلت رفقة زوجها على شاليه محترم في نادي الصنوبر بجوار علية القوم.

بعض العارفين بأمور صديقي الانتهازي، فسروا ذلك برغبة الزوجة في البقاء قرب ابنتها المتزوجة بيهودي في فرنسا، لذلك اعتبروا العودة مؤقتة حتى و لو طالت قليلا.. و هي عودة بمهمة خاصة-إن شئتم- و هي الدفاع عن مصالح"فافا الثقافية"

قد يقول البعض، أنك تبالغ في إطلاق الأوصاف و الوقائع و الصفات، و واقع الأمر أن ما قلته من أوصاف و أحداث هو نقطة في بحر، لأن مواصفات و سلوكات صديقي الانتهازي، قلما تجتمع في شخص واحد، و لكنها اجتمعت في هذا الذي أحدثكم عنه.

تصوروا أنه يرفض استقبال الموظفين التابعين لمؤسسته، و أنه يعتبر نفسه واحدا من مائة حركوا الجزائر ثقافيا و سياسيا إلى جانب كاتب ياسين و علولة.. لذلك فالمنصب الذي هو فيه لا يعنيه كثيرا و لا يليق بمقامه، و قد قبله على مضض، بل و على أمل تقلد منصب وزاري، لأنه مدعوم من طرف أصدقائه هناك. نعم، ذاك هو الشعور الذي عشش في مخ صاحبنا، الذي أصيب بغرور عجيب، ممزوج بالغرور والشعوربالعظمة.

.صديقي الانتهازي، قد صار يدعي بأنه العارف في كل العلوم و الفنون، و أنه هو الذي أبرز دور المرأة الجزائرية قبل "شاهين"، و أن "عالم البعوش" لا تصلح للعرض سوى عند "عالم البعوش" و الرعاع من الجزائريين، و هلم استخفافا بدور المثقف الجزائري. كيف لا و هو الأمر الناهي، و هو الناقد الصنديد

و المسرحي العتيد، و السياسي الرشيد، و لله في خلقه شؤون و شؤون.

ذلكم هو صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع": هو كما أسلفت، يحب اليهود و الفرنسيين،

و الجزائريين أيضا، و هناك حب و حب.

نعم... هذا هو الصنف القادم من هناك، و هو الذي سيحكمنا في المستقبل، و يتحكم في مصائرنا، و لنا عودة مع حكاياهم المثيرة، و ما أكثرها!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق