الخميس، 16 سبتمبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

ديمقراطي حتى النخاع

وردت إلي أخبار لم أتأكد بعد من صحتها، مفادها أن صديقي الانتهازي يعد الآن – بعد أن ترّبع على عرش مؤسسة هامة جدا للإطاحة برئيسه المباشر، ليصبح هو الكل في الكل- كما يقولون- و يصبح مسؤولا على قطاع هام من القطاعات الحيوية في البلاد.

لم أستبعد تلك الأخبار لأن طموحات صديقي الانتهازي لا يحدها حد، و ربما منصب الوزير الذي يعمل

و يخطط للوصول إليه، لا يكفيه رغم أنه يرضي في نفسه الكثير من الغرور و الطموحات.

صديقي الانتهازي هذا من صنف خاص من الجزائريين، فهو في وقت مضى و قبل العشرية السوداء، كلن يشيع بين معارفه أنه من العائلة الثورية، و أنه رفض و لازال يرفض كل الإغراءات و الاستفادات التي تعرض عليه باسم الانتماء لهذه العائلة، من قطع أراضي، و مناصب و علاوات و منح و غير ذلك من الاغراءات.

نعم، يصر على رفضها، و هو المجاهد، و ابن الشهيد في الوقت ذاته، غير أن تصرفاته و سلوكاته تعكس حقدا دفينا على كل ما له علاقة بالثورة و المجاهدين و الجهاد و الشهداء، و هو الشيء الذي حيّر أصدقاء و المقربين منه، و لم يدركوا الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى ذلك.

في بعض الأحيان كان يعلل رفضه للعلاوات و الامتيازات، كونه لا يفرق بين أبناء الجزائر، و هو كديمقراطي يرى أن الجزائريين سواسية، لا فرق فيهم بين ابن الحركي و ابن المجاهد، و ابن اليهودي

أو الفرنسي الذي و لد و ترعرع قي الجزائر، و لا تتعجبوا إذا قلت لكم انه انضم في وقت مضى إلى زمرة من دعاة الديمقراطية و التقدم الذين دافعوا بشراسة على استضافة الفنان أنريكو ماسياس، و من المدافعين أيضا عن عودة الأقدام السوداء إلى "وطنهم" الجزائر.

و من يعرفون صديقي الانتهازي بعمق يدركون انه يكن عداوة دفينة لكل ما له علاقة بالثورة و الثوار

و لذلك أسباب دفينة لا يعرفها حتى المقربون منه، و لولا ولع أحد أصدقائنا بالتاريخ و الكواليس و الخفايا لما عرفت الأسباب الحقيقية التي صبغت و طبعت و صاغت صديقنا على هذه الشاكلة.

هذه المعلومات و إن شئتم الأسباب لا تزال في حوزة ثلة من الأصدقاء، رواها لهم صديقنا المولع بالأقاصيص الغربية و الحكايا العجيبة، و قد نقلها عن مشايخ القرية التي ولد فيها صديقنا الانتهازي،

و غادرها طفلا لم يتجاوز عمره الخامسة، حملته أمه هروبا من القيل و القال، و من مضايقات سكان القرية. تلك الصور و الأحداث بقيت عالقة بشكل ضبابي في ذهن صديقنا الانتهازي، الذي لم يعد منذ تلك الحادثة اللعينة لزيارة قريته و أقاربه.

٭٭٭

صديقي المولع بالتاريخ و البحث و الحكايا العجائبية. روى لي حكاية مثيرة قد تلقي الأضواء على الكثير من الزوايا المظلمة و المحطات الغامضة في حياة صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع"، و تفسر إلى حد بعيد تسامحه اللامتناهي مع الفرنسيين و اليهود، و كرهه الشديد للعروبة و العربية، و ما اصطلح عليه بالعائلة الثورية.

الحكاية –إذن- ترجع إلى طفولته المبكرة حيث غادر قريته الواقعة غرب البلاد، بالقرب من مدينة بلعباس غادرها إلى الأبد، متجها إلى الجزائر العاصمة، هروبا من القيل و القال و أحاديث سكان القرية و ألسنتهم النارية التي لا ترحم أبدا.

الحادثة تعود إلى أواخر ثورة التحرير المباركة، عندما داهم فريق من اللفيف الأجنبي بيتهم ذات ليلة صيفية مداهمة دورية كان يقوم بها المستعمر الفرنسي و أذنابه من الحركى، و قد صادفت المداهمة غياب والده الذي كان يقوم بمهمة مماثلة في حي آخر من أحياء القرية، كان عمر الصبي آنذاك لم يتجاوز السنوات الخمسة، لكن الحادثة قد ارتسمت في ذهنه و إلى الأبد. و قد راح يبكي و يصرخ، و هو يرى العساكر، و قد طرحوا أمه أرضا، و راحوا ينزعون ملابسها بوحشية و يفعلون فيها ما كان أبوه قد فعل أيضا، ذات ليلة صيفية.

تلك الحادثة المؤلمة قد بقيت ملامحها راسخة بشكل ضبابي في ذهنه، و عندما بلغ سن الشباب أصبح يكره كل ما له صلة بالثورة و الثوار.. و هي الحادثة التي دفعت أمه لترك القرية مباشرة بعد الاستقلال، لأن زوجها قد اختار السفر إلى فرنسا مع أمثاله من الأذناب و بقيت وحيدة منبوذة، لا عائل لها، و كانت حين يسألها ابنها الطفل عن والده، تخبره أنه مات في الثورة، و كان حين يسأله أترابه عن والده يقول لهم أنه مات في الثورة، فيقولون له إذن أنت ابن شهيد مثلنا، و من يومها صار يدعي أنه ابن شهيد و في واقع الأمر أنه كان يكره الشهادة و الشهداء، دون أن يعرف سببا لذلك.

و يضيف صديقنا المولع بالتاريخ مازحا: عل الياء أضيفت إلى اسمه خطأ، لأن اسم العائلة اسم عربي قح، و لم يشر المؤرخون إلى وجوده في منطقة بلعباس.

٭٭٭

لقد عرفتم –إذن- لماذا يكره صديقي الانتهازي العائلة الثورية و الثورة و الشهداء. و الحادثة التي رويتها لكم في تفسر إلى حد بعيد ذلك السلوك المتناقض، و تسامحه اللامتناهي مع اليهود و الفرنسيين، هذا السلوك الذي سيظهر بشكل مفضوح بعد عودته من منفاه الإرادي-فرنسا- التي اختارها مأوى طيلة العشرية السوداء، هروبا من الإرهاب الذي يطال "المثقفين".

ما يلفت الانتباه في سلوكات صديقي الانتهازي هو عودته المؤقتة إلى الجزائر، ليتقلد منصبا هاما على رأس مؤسسة من مؤسسات الدولة الكبرى... قلت مؤقتة لأن زوجته المحامية رفضت البقاء في الجزائر، و فضلت العودة إلى مكتبها في باريس، رغم أنها حصلت رفقة زوجها على شاليه محترم في نادي الصنوبر بجوار علية القوم.

بعض العارفين بأمور صديقي الانتهازي، فسروا ذلك برغبة الزوجة في البقاء قرب ابنتها المتزوجة بيهودي في فرنسا، لذلك اعتبروا العودة مؤقتة حتى و لو طالت قليلا.. و هي عودة بمهمة خاصة-إن شئتم- و هي الدفاع عن مصالح"فافا الثقافية"

قد يقول البعض، أنك تبالغ في إطلاق الأوصاف و الوقائع و الصفات، و واقع الأمر أن ما قلته من أوصاف و أحداث هو نقطة في بحر، لأن مواصفات و سلوكات صديقي الانتهازي، قلما تجتمع في شخص واحد، و لكنها اجتمعت في هذا الذي أحدثكم عنه.

تصوروا أنه يرفض استقبال الموظفين التابعين لمؤسسته، و أنه يعتبر نفسه واحدا من مائة حركوا الجزائر ثقافيا و سياسيا إلى جانب كاتب ياسين و علولة.. لذلك فالمنصب الذي هو فيه لا يعنيه كثيرا و لا يليق بمقامه، و قد قبله على مضض، بل و على أمل تقلد منصب وزاري، لأنه مدعوم من طرف أصدقائه هناك. نعم، ذاك هو الشعور الذي عشش في مخ صاحبنا، الذي أصيب بغرور عجيب، ممزوج بالشعور

و العظمة.

صديقي الانتهازي، قد صار يدعي بأنه العارف في كل العلوم و الفنون، و أنه هو الذي أبرز دور المرأة الجزائرية قبل "شاهين"، و أن "عالم البعوش" لا تصلح للعرض سوى عند "عالم البعوش" و الرعاع من الجزائريين، و هلم استخفافا بدور المثقف الجزائري. كيف لا و هو الأمر الناهي، و هو الناقد الصنديد

و المسرحي العتيد، و السياسي الرشيد، و لله في خلقه شؤون و شؤون.

ذلكم هو صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع": هو كما أسلفت، يحب اليهود و الفرنسيين،

و الجزائريين أيضا، و هناك حب و حب.

نعم... هذا هو الصنف القادم من هناك، و هو الذي سيحكمنا في المستقبل، و يتحكم في مصائرنا، و لنا عودة مع حكاياهم المثيرة، و ما أكثرها!.

حكايا صديقي الانتهازي

مستر أراضي يخاطبكم

كنت أحكي لبعض الأصدقاء عن وقائع مثيرة للضحك، بطلها صديقي الانتهازي الذي انقطعت عني أخباره لعدة سنوات.لقد كان خير مؤنس لي في سنوات الأزمة، سنوات الإرهاب الدامي، و قد جمعتنا في تلك الظروف لنجد أنفسنا نسكن في حي واحد، فكنت أستمع مكرها لحكاياه و مغامراته التي لا تنتهي، و لكن رغم ذلك فقد كنت أجد فيها جزءا من المتعة رغم ما تخفيه من مواقف انتهازية.

وقتها أطلقنا عليه "مستر أراضي" لأنه كان دائم اللهاث وراء رؤساء المندوبيات، طالبا منهم قطع أراضي، ليعيد بيعها، مستغلا في ذلك منصبه و نفوذه "الانتقالي"، و قد كان يفلح في كثير من الأحيان في تحقيق مطالبه و رغباته.

صديقي هذا، كان بطلا لحمل الأثقال، أو هكذا كان يبدو على الأقل،

و قد تدرج في انتهازيته إلى أن غدا شخصيته يحسب لها ألف حساب، إذا أصبح عنصرا بارزا من عناصر المرحلة الانتقالية.

المفاجأة الكبيرة أحدثها صديقي الانتهازي هذا الأسبوع، بعد غيابه الطويل عن الساحة الانتهازية و قد كنت وقتها احكي عن بعض مغامراته مع بعض الأصدقاء، و إذا بنا نتفاجأ به يطل علينا من وراء شاشة التلفاز، شاتما و متوعدا كل المسؤولين السابقين و واعدا منتخبيه بالجنة.

لقد ضحكت حتى "الثمالة" و ملء الشدقين كما يقال، و أنا استمع إلى هرائه و وعوده الكاذبة، و كنت أقول له، في قرارة نفسي، "ما هكذا تورد الإبل".. يا مستر أراضي"، و لمن تقرا زابورك يا..

صديقي الانتهازي عاد إذن للساحة الوطنية، و لكن هيهات، فالقطار قد مر و لم يعد يتوقف عند المحطات الثانوية. هذه واحدة من حكايا صديقي الانتهازي، و هي مثيرة للضحك والتعجب، وأنا الذي كنت أعتقد أن أمثاله قد زالوا من الخارطة السياسية، و لكن ها هم يترقبون المواعيد و يعودون، و العود ليس دائما أحمد.

صديقي، هذا و ثلة من رفاقه الذين تربعوا على رأس عديد الأحزاب المجهرية التي أنجبتها بداية التعددية السياسية، قد لجأوا إلى نجارة رابحة، تدر عليهم المال الكثير. فهم ضحوا يتصيدون الانتخابات المحلية والتشريعية و الرئاسية أحيانا، ليحققوا بطرق "قانونية" أموالا طائلة، ناهيك عن الألاعيب الأخرى التي يمارسونها مع رؤساء البلديات و مسؤولي المؤسسات العمومية، كالاستفادات من المشاريع التنموية عن طريق "الفيفتي فيفتي" أو بالترجمة العربية عن طريق "النص نص" أو "حكلي انحكلك"، لأنهم أسسوا لأولادهم و زوجاتهم شركات …. عليها بالمشاريع و الخيرات عن طريق الصفقات و الهبات.

و إذا عدنا إلى صديقي الانتهازي الذي أطلقنا عليه تسمية مستر أراضي وثلة من الانتقاليين و مسؤولي الهيئات المجهرية، قلت أنهم تفننوا في اصطياد الفرص و المناسبات الانتخابية ليثروا الثراء الفاحش،

و حتى لا أتهم بالمبالغة، أسوق بعض الأمثلة التي تميط اللثام عن بعض الممارسات التي تتيح لهم الثراء بطرق شبه قانونية.

صديقي مستر أراضي كان يبدأ نشاطه الانتهازي، سنة قبل الشروع رسميا في الانتخابات المحلية : البلدية و الولائية، و كذلك يفعل بالنسبة للانتخابات التشريعية و الرئاسية، فكان يجوب البلاد، بلدية بلدية، و دائرة دائرة، و ولاية ولاية، ينصب فيها مسؤولين ممثلين عن هيئته السياسية، و يطلب منهم إعداد قائم انتخابية تحت لواء التنظيم، و يصطاد في ذلك العباد الذين لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية المعروفة، فيختار أكثرهم انتهازية و عبادة للمسؤولية،

و أيسرهم مالا، ليكلفه بإعداد قوائم انتخابية باسم تنظيمه السياسي، ليتولوا هم بدورهم اختيار بقية أعضاء القائمة الانتخابية و ترتيبها وفق المقاييس و الشروط و الصفات المذكورة، بعد إقناعهم بالمستقبل الباهر الذي ينتظرهم بعد فوزهم في الانتخابات مقابل مبلغ مالي يدفعه كل مترشح. أما متصدرو القوائم، و الذين يتلوهم في الصدارة من ذوي المراتب الثانية و الثالثة، فيدفعون مبالغ أكبر، قد تصل إلى حد مائة ألف دينار جزائري"للرأس" و تخيلوا المبالغ المالية التي يدّرّها كل موعد انتخابي و تذهب إلى جيب الرأس المدبّر.

المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، و عند الانتخابات المحلية، بل تتعداها إلى الانتخابات التشريعية و الرّئاسية، و لكل موعد فوائده الخاصة، و لا تنسوا اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التي تكون ممثلة من رؤساء التنظيمات المشاركة في العملية الانتخابية و التي تكون عادة من حظ "الرّئيس" الذي يحظى بمكافأة يومية معتبرة طيلة المدة المحددة للعملية الانتخابية.

كل هذا ليس مهما أمام الظهور في "اليتيمة" عفوا في التلفزة الوطنية، ليخاطب الجماهير المسكينة في هذه المناسبات العظيمة التي –مع الأسف- لا تتكرر كثيرا، و لو كانت المسؤولية لصديقي "مستر أراضي" لجعلها مرّة كل سنة ليعم الخير على الكثير، هاهو يطل علينا، إذن صديقي "مستر أراضي" يطل علينا من شاشة التلفاز.

مستر أراضي يخاطبكم

كنت أحكي لبعض الأصدقاء عن وقائع مثيرة للضحك، بطلها صديقي الانتهازي الذي انقطعت عني أخباره لعدة سنوات.لقد كان خير مؤنس لي في سنوات الأزمة، سنوات الإرهاب الدامي، و قد جمعتنا في تلك الظروف لنجد أنفسنا نسكن في حي واحد، فكنت أستمع مكرها لحكاياه و مغامراته التي لا تنتهي، و لكن رغم ذلك فقد كنت أجد فيها جزءا من المتعة رغم ما تخفيه من مواقف انتهازية.

وقتها أطلقنا عليه "مستر أراضي" لأنه كان دائم اللهاث وراء رؤساء المندوبيات، طالبا منهم قطع أراضي، ليعيد بيعها، مستغلا في ذلك منصبه و نفوذه "الانتقالي"، و قد كان يفلح في كثير من الأحيان في تحقيق مطالبه و رغباته.

صديقي هذا، كان بطلا لحمل الأثقال، أو هكذا كان يبدو على الأقل،

و قد تدرج في انتهازيته إلى أن غدا شخصيته يحسب لها ألف حساب، إذا أصبح عنصرا بارزا من عناصر المرحلة الانتقالية.

المفاجأة الكبيرة أحدثها صديقي الانتهازي هذا الأسبوع، بعد غيابه الطويل عن الساحة الانتهازية و قد كنت وقتها احكي عن بعض مغامراته مع بعض الأصدقاء، و إذا بنا نتفاجأ به يطل علينا من وراء شاشة التلفاز، شاتما و متوعدا كل المسؤولين السابقين و واعدا منتخبيه بالجنة.

لقد ضحكت حتى "الثمالة" و ملء الشدقين كما يقال، و أنا استمع إلى هرائه و وعوده الكاذبة، و كنت أقول له، في قرارة نفسي، "ما هكذا تورد الإبل".. يا مستر أراضي"، و لمن تقرا زابورك يا..

صديقي الانتهازي عاد إذن للساحة الوطنية، و لكن هيهات، فالقطار قد مر و لم يعد يتوقف عند المحطات الثانوية. هذه واحدة من حكايا صديقي الانتهازي، و هي مثيرة للضحك والتعجب، وأنا الذي كنت أعتقد أن أمثاله قد زالوا من الخارطة السياسية، و لكن ها هم يترقبون المواعيد و يعودون، و العود ليس دائما أحمد.

صديقي، هذا و ثلة من رفاقه الذين تربعوا على رأس عديد الأحزاب المجهرية التي أنجبتها بداية التعددية السياسية، قد لجأوا إلى نجارة رابحة، تدر عليهم المال الكثير. فهم ضحوا يتصيدون الانتخابات المحلية والتشريعية و الرئاسية أحيانا، ليحققوا بطرق "قانونية" أموالا طائلة، ناهيك عن الألاعيب الأخرى التي يمارسونها مع رؤساء البلديات و مسؤولي المؤسسات العمومية، كالاستفادات من المشاريع التنموية عن طريق "الفيفتي فيفتي" أو بالترجمة العربية عن طريق "النص نص" أو "حكلي انحكلك"، لأنهم أسسوا لأولادهم و زوجاتهم شركات …. عليها بالمشاريع و الخيرات عن طريق الصفقات و الهبات.

و إذا عدنا إلى صديقي الانتهازي الذي أطلقنا عليه تسمية مستر أراضي وثلة من الانتقاليين و مسؤولي الهيئات المجهرية، قلت أنهم تفننوا في اصطياد الفرص و المناسبات الانتخابية ليثروا الثراء الفاحش،

و حتى لا أتهم بالمبالغة، أسوق بعض الأمثلة التي تميط اللثام عن بعض الممارسات التي تتيح لهم الثراء بطرق شبه قانونية.

صديقي مستر أراضي كان يبدأ نشاطه الانتهازي، سنة قبل الشروع رسميا في الانتخابات المحلية : البلدية و الولائية، و كذلك يفعل بالنسبة للانتخابات التشريعية و الرئاسية، فكان يجوب البلاد، بلدية بلدية، و دائرة دائرة، و ولاية ولاية، ينصب فيها مسؤولين ممثلين عن هيئته السياسية، و يطلب منهم إعداد قائم انتخابية تحت لواء التنظيم، و يصطاد في ذلك العباد الذين لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية المعروفة، فيختار أكثرهم انتهازية و عبادة للمسؤولية،

و أيسرهم مالا، ليكلفه بإعداد قوائم انتخابية باسم تنظيمه السياسي، ليتولوا هم بدورهم اختيار بقية أعضاء القائمة الانتخابية و ترتيبها وفق المقاييس و الشروط و الصفات المذكورة، بعد إقناعهم بالمستقبل الباهر الذي ينتظرهم بعد فوزهم في الانتخابات مقابل مبلغ مالي يدفعه كل مترشح. أما متصدرو القوائم، و الذين يتلوهم في الصدارة من ذوي المراتب الثانية و الثالثة، فيدفعون مبالغ أكبر، قد تصل إلى حد مائة ألف دينار جزائري"للرأس" و تخيلوا المبالغ المالية التي يدّرّها كل موعد انتخابي و تذهب إلى جيب الرأس المدبّر.

المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، و عند الانتخابات المحلية، بل تتعداها إلى الانتخابات التشريعية و الرّئاسية، و لكل موعد فوائده الخاصة، و لا تنسوا اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التي تكون ممثلة من رؤساء التنظيمات المشاركة في العملية الانتخابية و التي تكون عادة من حظ "الرّئيس" الذي يحظى بمكافأة يومية معتبرة طيلة المدة المحددة للعملية الانتخابية.

كل هذا ليس مهما أمام الظهور في "اليتيمة" عفوا في التلفزة الوطنية، ليخاطب الجماهير المسكينة في هذه المناسبات العظيمة التي –مع الأسف- لا تتكرر كثيرا، و لو كانت المسؤولية لصديقي "مستر أراضي" لجعلها مرّة كل سنة ليعم الخير على الكثير، هاهو يطل علينا، إذن صديقي "مستر أراضي" يطل علينا من شاشة التلفاز.

الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

حكايا صديقي الانتهازي

ديمقراطي حتى النخاع

بقلم محمد الصالح حرزالله

وردت إلي أخبار لم أتأكد بعد من صحتها، مفادها أن صديقي الانتهازي يعد الآن – بعد أن ترّبع على عرش مؤسسة هامة جدا للإطاحة برئيسه المباشر، ليصبح هو الكل في الكل- كما يقولون- و يصبح مسؤولا على قطاع هام من القطاعات الحيوية في البلاد.

لم أستبعد تلك الأخبار لأن طموحات صديقي الانتهازي لا يحدها حد، و ربما منصب الوزير الذي يعمل

و يخطط للوصول إليه، لا يكفيه رغم أنه يرضي في نفسه الكثير من الغرور و الطموحات.

يقي الانتهازي هذا من صنف خاص من الجزائريين، فهو في وقت مضى و قبل العشرية السوداء، كلن يشيع بين معارفه أنه من العائلة الثورية، و أنه رفض و لازال يرفض كل الإغراءات و الاستفادات التي تعرض عليه باسم الانتماء لهذه العائلة، من قطع أراضي، و مناصب و علاوات و منح و غير ذلك من الاغراءات.

نعم، يصر على رفضها، و هو المجاهد، و ابن الشهيد في الوقت ذاته، غير أن تصرفاته و سلوكاته تعكس حقدا دفينا على كل ما له علاقة بالثورة و المجاهدين و الجهاد و الشهداء، و هو الشيء الذي حيّر أصدقاء و المقربين منه، و لم يدركوا الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى ذلك.

في بعض الأحيان كان يعلل رفضه للعلاوات و الامتيازات، كونه لا يفرق بين أبناء الجزائر، و هو كديمقراطي يرى أن الجزائريين سواسية، لا فرق فيهم بين ابن الحركي و ابن المجاهد، و ابن اليهودي

أو الفرنسي الذي و لد و ترعرع قي الجزائر، و لا تتعجبوا إذا قلت لكم انه انضم في وقت مضى إلى زمرة من دعاة الديمقراطية و التقدم الذين دافعوا بشراسة على استضافة الفنان أنريكو ماسياس، و من المدافعين أيضا عن عودة الأقدام السوداء إلى "وطنهم" الجزائر.

و من يعرفون صديقي الانتهازي بعمق يدركون انه يكن عداوة دفينة لكل ما له علاقة بالثورة و الثوار

و لذلك أسباب دفينة لا يعرفها حتى المقربون منه، و لولا ولع أحد أصدقائنا بالتاريخ و الكواليس و الخفايا لما عرفت الأسباب الحقيقية التي صبغت و طبعت و صاغت صديقنا على هذه الشاكلة.

هذه المعلومات و إن شئتم الأسباب لا تزال في حوزة ثلة من الأصدقاء، رواها لهم صديقنا المولع بالأقاصيص الغربية و الحكايا العجيبة، و قد نقلها عن مشايخ القرية التي ولد فيها صديقنا الانتهازي،

و غادرها طفلا لم يتجاوز عمره الخامسة، حملته أمه هروبا من القيل و القال، و من مضايقات سكان القرية. تلك الصور و الأحداث بقيت عالقة بشكل ضبابي في ذهن صديقنا الانتهازي، الذي لم يعد منذ تلك الحادثة اللعينة لزيارة قريته و أقاربه.

٭٭٭

صديقي المولع بالتاريخ و البحث و الحكايا العجائبية. روى لي حكاية مثيرة قد تلقي الأضواء على الكثير من الزوايا المظلمة و المحطات الغامضة في حياة صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع"، و تفسر إلى حد بعيد تسامحه اللامتناهي مع الفرنسيين و اليهود، و كرهه الشديد للعروبة و العربية، و ما اصطلح عليه بالعائلة الثورية.

الحكاية –إذن- ترجع إلى طفولته المبكرة حيث غادر قريته الواقعة غرب البلاد، بالقرب من مدينة بلعباس غادرها إلى الأبد، متجها إلى الجزائر العاصمة، هروبا من القيل و القال و أحاديث سكان القرية و ألسنتهم النارية التي لا ترحم أبدا.

الحادثة تعود إلى أواخر ثورة التحرير المباركة، عندما داهم فريق من اللفيف الأجنبي بيتهم ذات ليلة صيفية مداهمة دورية كان يقوم بها المستعمر الفرنسي و أذنابه من الحركى، و قد صادفت المداهمة غياب والده الذي كان يقوم بمهمة مماثلة في حي آخر من أحياء القرية، كان عمر الصبي آنذاك لم يتجاوز السنوات الخمسة، لكن الحادثة قد ارتسمت في ذهنه و إلى الأبد. و قد راح يبكي و يصرخ، و هو يرى العساكر، و قد طرحوا أمه أرضا، و راحوا ينزعون ملابسها بوحشية و يفعلون فيها ما كان أبوه قد فعل أيضا، ذات ليلة صيفية.

تلك الحادثة المؤلمة قد بقيت ملامحها راسخة بشكل ضبابي في ذهنه، و عندما بلغ سن الشباب أصبح يكره كل ما له صلة بالثورة و الثوار.. و هي الحادثة التي دفعت أمه لترك القرية مباشرة بعد الاستقلال، لأن زوجها قد اختار السفر إلى فرنسا مع أمثاله من الأذناب و بقيت وحيدة منبوذة، لا عائل لها، و كانت حين يسألها ابنها الطفل عن والده، تخبره أنه مات في الثورة، و كان حين يسأله أترابه عن والده يقول لهم أنه مات في الثورة، فيقولون له إذن أنت ابن شهيد مثلنا، و من يومها صار يدعي أنه ابن شهيد و في واقع الأمر أنه كان يكره الشهادة و الشهداء، دون أن يعرف سببا لذلك.

و يضيف صديقنا المولع بالتاريخ مازحا: عل ا لياء أضيفت إلى اسمه خطأ، لأن اسم العائلة اسم عربي قح، و لم يشر المؤرخون إلى وجوده في منطقة بلعباس.

لقد عرفتم –إذن- لماذا يكره صديقي الانتهازي العائلة الثورية و الثورة و الشهداء. و الحادثة التي رويتها لكم في تفسر إلى حد بعيد ذلك السلوك المتناقض، و تسامحه اللامتناهي مع اليهود و الفرنسيين، هذا السلوك الذي سيظهر بشكل مفضوح بعد عودته من منفاه الإرادي-فرنسا- التي اختارها مأوى طيلة العشرية السوداء، هروبا من الإرهاب الذي يطال "المثقفين".

ما يلفت الانتباه في سلوكات صديقي الانتهازي هو عودته المؤقتة إلى الجزائر، ليتقلد منصبا هاما على رأس مؤسسة من مؤسسات الدولة الكبرى... قلت مؤقتة لأن زوجته المحامية رفضت البقاء في الجزائر، و فضلت العودة إلى مكتبها في باريس، رغم أنها حصلت رفقة زوجها على شاليه محترم في نادي الصنوبر بجوار علية القوم.

بعض العارفين بأمور صديقي الانتهازي، فسروا ذلك برغبة الزوجة في البقاء قرب ابنتها المتزوجة بيهودي في فرنسا، لذلك اعتبروا العودة مؤقتة حتى و لو طالت قليلا.. و هي عودة بمهمة خاصة-إن شئتم- و هي الدفاع عن مصالح"فافا الثقافية"

قد يقول البعض، أنك تبالغ في إطلاق الأوصاف و الوقائع و الصفات، و واقع الأمر أن ما قلته من أوصاف و أحداث هو نقطة في بحر، لأن مواصفات و سلوكات صديقي الانتهازي، قلما تجتمع في شخص واحد، و لكنها اجتمعت في هذا الذي أحدثكم عنه.

تصوروا أنه يرفض استقبال الموظفين التابعين لمؤسسته، و أنه يعتبر نفسه واحدا من مائة حركوا الجزائر ثقافيا و سياسيا إلى جانب كاتب ياسين و علولة.. لذلك فالمنصب الذي هو فيه لا يعنيه كثيرا و لا يليق بمقامه، و قد قبله على مضض، بل و على أمل تقلد منصب وزاري، لأنه مدعوم من طرف أصدقائه هناك. نعم، ذاك هو الشعور الذي عشش في مخ صاحبنا، الذي أصيب بغرور عجيب، ممزوج بالغرور والشعوربالعظمة.

.صديقي الانتهازي، قد صار يدعي بأنه العارف في كل العلوم و الفنون، و أنه هو الذي أبرز دور المرأة الجزائرية قبل "شاهين"، و أن "عالم البعوش" لا تصلح للعرض سوى عند "عالم البعوش" و الرعاع من الجزائريين، و هلم استخفافا بدور المثقف الجزائري. كيف لا و هو الأمر الناهي، و هو الناقد الصنديد

و المسرحي العتيد، و السياسي الرشيد، و لله في خلقه شؤون و شؤون.

ذلكم هو صديقي الانتهازي "الديمقراطي حتى النخاع": هو كما أسلفت، يحب اليهود و الفرنسيين،

و الجزائريين أيضا، و هناك حب و حب.

نعم... هذا هو الصنف القادم من هناك، و هو الذي سيحكمنا في المستقبل، و يتحكم في مصائرنا، و لنا عودة مع حكاياهم المثيرة، و ما أكثرها!.

حكايا صديقي الانتهازي

إذا لم تستح...

بقلم : محمد الصالح حرزالله

لقد أطلعتكم على بعض صفات و مواصفات و سلوكات صديقي الانتهازي و هي مواصفات قد تجدونها عند الكثير من أصدقائكم، ولكن ما سأرويه لكم في هذه المرة، و في المرات القادمة، يفوق كل خيال و كل تصور، لأن هذا الصنف من السلوكات هو صنف متميز قل ما يتصف به البشر،لأن أساس هذه السلوكات هو المثل العربي القائل :إذا لم تستح فافعل ما شئت ..و إن شئت أضفت أمثالا أخرى مثل: الغاية تبرر الوسيلة .. و من أجل المصلحة و المنفعة الخاصة.. يجوز كل شيء.

هذه المنطلقات و غيرها لعبت دورا كبيرا في تكوين شخصية صديقي الانتهازي الذي جمعتني به مضطرا ظروف الجيرة لمدة غير قصيرة،و سمحت لي هذه الجيرة أن أكتشف الكثير من صفات و سلوكات "صديقي الانتهازي" و اكتشفت بالمصادفة و التخمين و القرائن العديد من التصرفات التي لها علاقة وطيدة بماضيه و ماضي عائلته قبل و أثناء الثورة التحريرية المباركة.

أذكر، في بداية علاقتي به، التي فرضتها الجيرة، أنني كنت أتحاشى الحديث معه، و لكنه كان يسبقني إلى السلام، و السؤال عن الصحة و الأحوال، فكنت أجيبه دائما باقتضاب و حيطة، ولا أعطيه فرصة الاسترسال في الحديث، و بعد مدة اكتشفت أنه كان يعرف مواعيد دخولي و خروجي من شقتي، لأني كنت ألتقيه أوقات دخولي و خروجي من مسكني، فيسبقني بالتحية و السؤال عن الأحوال. وفي كثير من المرات كنت أتجاهل تلك الإيماءات و التحيات و ألج شقتي أو أركب سيارتي دون الالتفات أليه.و ذات مرة سمعت طرقا خفيفا على باب شقتي، ثم توالى الطرق و لما فتحت الباب وجدت طفلة تحمل صينية، ناولتنيها، قائلة: أنا جارتكم. و لما رأت الحيرة بادية على محياي قالت أنا أسكن فوقكم،ثم أضافت بعد فترة صمت : أليس لك أولاد؟

قلت: بلى عندي أولاد،لكنهم بعيدون عني.

و ارتسمت في ذهني علامات استفهام كثيرة و خجلت من نفسي، و قلت ربما أكون قد ظلمت جاري "الطيب" الذي يسبقني دائما بالتحية و السلام.

و ها هو اليوم يسبقني إلى الخير و الطعام أو الإطعام، ثم تنتابني حالات أخرى من الشكوك، فينقبض قلبي فلا أشعر بالارتياح، رغم كل ما يحاول جاري أن يبديه من لطف و تودد.

لا أخفي عليكم، بأنني تلك الليلة، لم أجرؤ رغم الجوع و التعب على تناول ذلك الطبق الذي جاءتني به جارتي الطفلة البريئة،لأن شعورا كان يساورني بأن سلوك جاري غير بريء براءة طفلته الصغيرة .

لم أتناول إذن الطعام الذي جاءتني به جارتي الصغيرة، رغم الجوع الذي كان يهد جسمي، و في الصباح اسيقضت باكرا كالمعتاد، حائرا فيما سأفعله بالأكل و الأواني الموضوعة فوق الطاولة . و أنا على تلك الحال من الحيرة، سمعت طرقا خفيفا على الباب فحدست أنها جارتي الصغيرة، جاءت لكي تسترجع أوانيها..

لم يطل وقوفها أمام الباب،بعد أن تبادلنا تحية الصباح، قالت، و هي تنزل درجات السلم بسرعة طفولية: سأعود مساء لآخذها، وفي اللحظة ذاتها كان والدها ينزل بثقل و هدوء،واضعا يده على شنبه الأيمن، وهي عادة ملازمة له، حييته باقتضاب و انزلقت إلى داخل الشقة كيما، أعطيه فرصة للحديث معي في هذا الصباح الشتوي القائظ.

أدخلت الأواني المليئة بالأكل إلى المطبخ، و خرجت مسرعا لألتحق بعملي، متحاشيا في الوقت ذاته، أن أقابل جاري الذي كان واقفا غير بعيد من سيارتي ليتصيد اللحظة المناسبة للحديث معي.

أنا لم أرتح لهذا الجار،و لم أرتح أيضا لملاحقاته التي بدأت تقلقني و تضايقني، و لا أدري ماذا يريد مني، خاصة و أنا لست من أهل البيزنس السياسي، ولا من رجال الأعمال،ثم أنا لا أعرف عنه شيئا كثيرا، و لولا أحد الأصدقاء القدامى الذي أسعفني بمعلومة بسيطة عنه لظللت أجهل عنه كل شيء،قال لي أنه رئيس تشكيلية سياسية من تلك التشكيلات المجهرية التي تشكلت في بداية التعددية السياسية، لا أذكر الآن اسمها، رغم أنه كرر لي التسمية في عدة مناسبات.

قلت في نفسي عله يريد مني الانضمام إلى حزبه"و الجار أولى أو الأقربون" كما يقول المثل.. ضحكت من نفسي، على نفسي،ثم قلت، أن غدا لناظره قريب،فلن يطول الزمن و أكتشف سر ملاحقته لي.

في المساء، بعد أن أكملت يومي قصدت مخبئي الذي أعوده كل مساء.تنفست الصعداء، حين لم أجد و لأول مرة جاري واقفا يترصد لي أو يترقب مجيئي، حين شرعت في غسل الأواني، استعدادا لإرجاعها إلى أهلها، سمعت طرقا خفيفا على الباب متبوعا بحنحنة، و لما فتحت الباب، وجدت الجارة الصغيرة تبتسم ووراءها والدها- أقصد جاري – يحمل تلفازا.

لم يترك لي فرصة التساؤل أو السؤال عن سر هذا التصرف،بادرني بالقول أعرف أنك وحيد، وفي حاجة إلى متابعة الأخبار و التسلية . ثم أضاف إن هذا الجهاز زائد عندي في البيت، أتركه عندك ريثما تجلب واحدا. لقد شعرت بخجل شديد، و لم أجد الكلام الذي يمكن أن يقال في مثل هذه المواقف المحرجة.ترك التلفاز في الصالون، وخرج دون أن يترك لي فرصة القول أو الحديث أو التساؤل و ما عساني أن أقول بعد هذه الحادثة.؟!

لقد صدق ظني إذن.. و هذا ما كنت أخشاه... كيف أتعامل إذن مع تصرفات هذا الجار المقلق؟!...ها هو إذن يقتحم بيتي، ويترك لي جهاز التلفاز في الصالون، و ينسحب دون أن يترك لي فرصة الكلام أو التساؤل أو حتى إبداء الامتعاض أو الرفض من هذا التصرف الذي لم أجد له تفسيرا!...هل أرجع له جهازالتلفازعلى الفور أم أتركه لبضعة أيام حتى لا أحرجه، و هو البادئ بالخير؟!

احترت فيما أفعل، خاصة و أني غير متعود على مثل هذه المواقف، و بعد تأمل في هذه المواقف المتعاقبة،قررت ترك الحال على ما هو عليه ، و انتظار ما ستأتي به الأيام بل قلت في نفسي،لا بد و أن هذا الجار يبيت على شيء ما.. ما هو هذا الشيء؟ لا أدري ! حاولت أن أجد تفسيرا لتلك التصرفات غير أني لم أفلح.

ما زادني حيرة هو أن لجاري هذا أختا،يفوق عمرها –على ما يبدو- الثلاثين،متوسطة الجمال،و عزباء،لمحتها مرتين أو ثلاثا، تحمل أطباقا من الأكل إلى جاري الثاني،الأستاذ الجامعي الأعزب،فقلت في نفسي، هذه لعبة أخرى مع جاري الآخر،و قطعا، فهو يريد الإيقاع به، خاصة بعد أن علم أنه مطلق، وخالي الوفاض من أي ارتباط.

و ما زادني حيرة أكثر،هو هذه العلاقة الثنائية الحميمة التي ربطت الجارين معا، في وقت قياسي، خاصة و أن العلاقة بينهما حديثة العهد،بل لم يمض على تعارفهما أكثر من عشرة أيام، فصرت أراهما إما ذاهبين إلى مقهى الساحة أو عائدين منها، أو في سيارة واحدة في طريقهما إلى مهمتهما الانتقالية المشتركة.

نسيت أن أقول لكم إن صديقي الأستاذ الجامعي، تربطني به علاقة صداقة

قديمة ،تمتد على مدى أكثر من عشرين سنة، و هو الآن قد ترك مهنة التدريس ليلتحق بالعمل السياسي في ظل المجلس الانتقالي،و هاهو الآن أيضا يخوض تجربة صداقة ، قد تكون هي الأخرى انتقالية أيضا...صداقة أملتها ظروف السكن، و العمل، و صاحبة الثلاثين ربيعا، التي تروح و تجيء محملة بأشهى المأكولات، و سيارة الجار"الغامض" التي صار يستعملها عند الضرورة.

هذه العلاقة الجديدة،قررت أن أكتشف أبعادها و مراميها لأنها علاقة ذات هدف كبير قطعا، تماما مثل العلاقة التي لم أعرف بعد مراميها و أهدافها...و إذا كانت الأولى، أقصد تلك التي تربط صديقي الجامعي مع جاري الجديد قد بدأت مراميها تظهر للعيان، و هي علاقة قد يراد- ضمن ما يراد بها- النسب،فإن العلاقة معي لم تظهر بعد ملامحها، و أن كنت قد اجتهدت في ذلك، ولكن دون جدوى.ألم أقل لكم أن جاري هذا، صنف خاص من الانتهازيين... صنف غريب يحفه الغموض من كل جانب، و لكن رغم ذلك،فقد قررت كشف أغواره، و إني واصل لا محالة إلى معرفتها إن آجلا أو عاجلا.

لا أريد الدخول في الكثير من التفاصيل و لا سرد العديد من الوقائع التي تكشف جوانب عديدة من شخصية صديقي- أقصد جاري- الانتهازي، و هي جوانب ووقائع مثيرة للضحك، و مدعاة للتعجب من وجود مثل هذا الصنف من البشر الذي يحلل كل شيء من أجل الوصول إلى تحقيق مآربه و مخططاته، و الأعجب من ذلك واستقباله لمختلف الصدمات بأعصاب هادئة ثلجية، منها مثلا، هاته الحادثة التي سأقصها عليكم كدليل على ثلوجة أعصابه. و قد وقعت له مع جاري الأستاذ الجامعي الذي دعانا دعوة فجائية لحضور مأدبة عشاء في بيته. كنا حوالي عشرة من سكان الحي نفسه جمعتنا ظروف واحدة، و ها هي تجمعنا مناسبة واحدة، مناسبة أرادها جاري أن تكون مفاجأة.

التقينا في داره، في الوقت الذي حدده، و لما اكتمل عدد المدعوين بادر جاري الانتهازي إلى التساؤل عن سر هذه الدعوة. فأجاب جاري بكل جدية و هدوء بأنها دعوة بمناسبة تطليق العزوبية، وبعد أن مضى على طلاقه أكثر من عشرين سنة.

كان أول المهللين و المباركين، جاري الانتهازي، ثم تلاه بقية المدعوين،أما أنا فرحت استرجع وقائع السيناريو الذي كان جاري الانتهازي قد شرع في تطبيقه من أجل الإيقاع بالأستاذ الساذج..أقصد تلك المحاولات الرامية للإيقاع به في غرام أخته العانس التي تملك سكنا خاصا بها، و أراضي و ذهبا و فضة،و قلت في نفسي، ها هي إذن تنهار تلك المحاولات،و تتكسر على مائدة هذه الدعوة الفجائية، التي بادر بها جاري الأستاذ ، و الأعجب في هذه الحادثة ،ليس الطريقة الثلجية التي استقبل بها جاري الحدث،و إنما فيما أقدم عليه بعد هذه الحاثة، وهي إرغام أخته على تقديم هدية الخطوبة التي كانت طقم قهوة،إلى عريس الغفلة الجديد،لأن لذلك حكاية أخرى،سأقصها عليكم في إحدى الحكايا القادمة.

قلت اذن لقد أرغمها على تقديم الهدية، و ما كان منها إلا الانصياع لأوامره، فقدمتها باكية مكرهة، و تسلمها الأستاذ،مطأطئا رأسه من فرط الخجل،لأنه لم يكن ينتظر ردة فعل بهذه الطريقة الغريبة، وهو الذي أراد أن يتخلص من تلك المضايقات و المطاردات بشكل غير مباشر.

ألم أقل لكم أن جاري هذا صنف خاص من الانتهازيين؟!

لقد صدمت أخت جاري حين أرغمها أخوها الانتهازي على تقديم الهدية إلى جارنا الأستاذ،بمناسبة نيته في تطليق العزوبية، و هي التي كانت تدفع دفعا للإيقاع به، لتكون صاحبة الحظ السعيد أو التعيس، لا أدري ..و تفوز بالأستاذ المغفل.

ترى أيهما المغفل؟ جاري الانتهازي أم جاري الأستاذ الذي تخلص بأسلوب فج، مما كان يحاك له،للإيقاع به في شباك الحب؟!

سؤال،لا تهم الإجابة عليه الآن، لأن جاري الانتهازي مستمر في ألاعيبه الخسيسة مع الجيران و المعارف.

و جاري الأستاذ مستمر هو أيضا في رسم مستقبله مع الشقراء المزيفة التي التقاها ذات مساء في فندق من فنادق العاصمة الضخمة، فاستولت على أحاسيسه و لعبت بعواطفه و رغباته، و هو الذي حرم منها سنوات طوال...

فكل إذن في ملكه يسبح. ولا عجب في سلوك كل واحد منهم ،فالضروريات تبيح المحظورات و لا يضير جاري الأستاذ أن يقع في غرام الشقراء التي جربت عشرات بل مئات الرجال حتى لا أقول باستحياء كبير ليس هو كل الحقيقة،بل هو جزء يسير جدا جدا من الحقيقة. و لأن الحقيقة مرة، يبدو في كلامي ،شيء من المبالغة.

و لأن الحقيقة مرة أيضا، أطلب من القراء الأعزاء أن يعذروا صراحتي التي يبدو فيها شيء من الوقاحة و كثير من الصراحة، و ليسمحوا لي أن أعود إلى جاري الانتهازي وأواصل بعض حكاياه الغريبة العجيبة وأعدكم بأنني سأفرد - مستقبلا- حلقات خاصة بجاري الجامعي، لما فيها من أشياء مثيرة.

...

من حكايا جاري المثيرة أنه خصص شقة، لاستقبال ضيوفه الخاصين جدا.و في بعض الأحيان يستقبل عائلات بأكملها، خاصة في فترة الصيف، و تحديدا في بداية شهر جوان و إلى غاية منتصف شهر سبتمبر، و يقسم عليهم الأيام بالقسطاس، أي 15يوما لكل عائلة.

في بداية الأمر،تعجبت من كثرة الوافدين و الزوار على جاري المسكين و تألمت لحاله، و أثار ني كرمه المنقطع النظير، و لكن في الوقت ذاته بدأت علامات استفهام ترتسم في ذاكرتي،خاصة بعد ما لاحظت فتور العلاقة بين الوافدين المتجددين، و بين جاري، فحدست أن في الأمر" إن " كما يقال.

سألت ذات يوم إحدى الوافدات، يبدو- حسب لهجتها- أنها من المهاجرات، عن درجة القرابة بينها و بين جاري "المسكين" فأظهرت جهلا تاما به، وأنكرت معرفته،و عندما ألححت في السؤال و كررت اسمه مرات، قالت أنها لا تعرف أحدا بهذا الاسم ..ثم أدركت فيما بعد أن جماعة الوافدين، ما هم إلا مستأجرون موسميون، يدفعون أجرا من تحت الباطن،كما يقولون لجارنا الإطار السامي الذي استولى على الشقتين بحكم المنصب، و لذلك حكاية أخرى.

عرفت- إذن- عن طريق الصدفة أن الوافدين و الوافدات على صديقي الانتهازي ليسوا ضيوفا و لا أقارب، و إنما هم سواح يدفعون أجورا- من تحت الباطن- حسب الاتفاق و حسب الوجوه و الرؤوس؛ يدفعونها إلى صديقي الانتهازي الذي خصص شقة لذلك.

و للشقة، كما أسلفت، حكاية غريبة كنت قد وعدت بالعودة إليها.

أصل الحكاية أن المؤسسة "الانتقالية" التي ينتمي إليها صديقي الانتهازي قد خصصت منصبين و شقتين لكل حزب سياسي مشارك في المرحلة الانتقالية، و باعتبار صديقي واحد من هؤلاء ،فقد أخذ شقتين إذن ،واحدة خصصها لعائلته و الأخرى لقضاء مآرب خاصة،كاستقبال الضيوف المهمين من رجال البز نس و التخلاط السياسي أو كرائها عند الضرورة – من تحت الباطن- و خاصة في فصل الصيف،حيث يكثر الطلب على تلك المنطقة البحرية الآمنة في زمن تكالب فيه الإرهاب.

لم يكتف جاري بالاستيلاء على الشقة التي كان من المفروض أن تعود لزميله في الحزب، و إنما فرض عليه شرطا آخر، فضلا عن شرط التنازل عن الشقة، مقابل مشاركته في عضوية المجلس الانتقائي باسم الحزب و الظفر بمرتب خيالي.

الشرط الآخر، هو باختصار أن يدفع- إضافة إلى التنازل عن الشقة- جزءا من مرتبه الشهري، و لضمان هذا العائد المالي شهريا لجأ إلى موثق ووثق الاتفاق في شكل اعتراف بدين، وهي حيلة يعرفها الضالعون في القانون، و يحترفها السماسرة و الدجالون من مختلف الأصناف، و الويل"للسياسي المغفل الذي قبل هذا الشرط الشيطاني أن تساوره نفسه بالعدول عن الاتفاق أو أن يتأخر في تنفيذ ما اتفق عليه أمام الموثق،لأن مصيره سيكون البهدلة أمام المحاكم.

هذه قصة الشقة الثانية التي يؤجرها صديقي الانتهازي، و هذه حكاية الشرط الثاني الذي ضمن به مرتبا شهريا إضافيا،يضاف إلى مرتبه و إلى عائدات الشقة، و هي تصرفات تعجز الشياطين على الاهتداء أليها.

و أعتقد أن هذا الصنف من البشر يقضي معظم ليله في نسج الأحبولات والمؤامرات لينصبها على المقربين منه

أما حكايته مع رؤساء المندوبيات أو البلديات إن شئت، فهي حكايا يشيب لها رأس الغلام، وكذلك حكاياه مع بيع و شراء السيارات من المهاجرين و المهاجرات و قطع الأراضي والمساكن، و هي حكايا كلها نصب و احتيال، أعفيكم من ذكرها هذه المرة.

نسيت في خضم حكاياه الكثيرة و المثيرة أن أعود إلى بداية حكايتي معه التي بدأت بالأطباق الشهية و بالتلفاز الذي أعدته له بعد يومين ، اتقاء للإحراج. أعدته رغم حاجتي الشديدة إلى أنيس لأني انتقلت مرغما إلى السكن وحيدا في هذه المحمية دون أهلي.

أعدت له التلفاز-إذن- و قطعت علاقتي به نهائيا، بعد ما تبينت ألاعيبه و نواياه و أدركت أنه يريد استغلال علاقتي بعالم الصحافة لأبيض ماضيه الأسود، و ألمع حزبه المجهري، و قد عرض علي مرارا منصب عضو في مكتبه السياسي مكلف بالإعلام، و لما رآني غير مبال بمقترحاته، قبل باسترجاع تلفازه، و تلك كانت نهاية علاقتي به.