الاثنين، 30 أوت 2010

صديقي المعارض


صديقي المعارض

بقلم :محمد الصالح حرزالله

تشاء الصدف أن يكون أول لقائي بصديقي الذي سأمطركم بحكاياه - شجارا- و هي حكاية تشبه إلى حد بعيد الحكاية الغريبة والمثيرة في آن معا قصة جميل وبثينة التي بدأت بالسباب و الشجار،و انتهت بأجمل قصة حب ،مع الفارق الشاسع طبعا ، في نهاية القصة و في مضمونها الإنساني النبيل.لأن نهاية قصتي معه ،تختلف كل الاختلاف عن نهاية قصة جميل مع بثينة.

فصديقي الذي سأحدثكم عنه لا يؤمن بشيء اسمه الحب إلا حب الدينار، ولا يعرف في قاموسه صفة اسمها النبل ، إلا أذا كان وراءها مصلحة أو فائدة ، إنه صديق انتهازي من صنف خاص ، تجاوز مسابقة الرياح

و ركوب الموجات ، و تفنن في أصناف و صنوف الانتهازية

و الوصولية. بل أصبح مبدعا فيها .

فلا تتعجبوا إن بدت لكم حكاياه وألاعيبه غريبة بعض الشيء فلكل إنسان مجال إبداعه الخاص ، خاصة في عصر التكنولوجيات الحديثة التي اختصرت المسافات و السنين و طرق الوصول و الوصولية ، وأساليب و تقنيات الحيل.

وقد تبدو بعض ألاعيبه من ضرب الخيال ،و لكن كل شيء ممكن في زمن لا مستحيل فيه، و في وطن أصبح فيه كل شيء مباح: فمن سنوات الدمار و الجنون ، و سنوات الإرهاب و الترهيب و التقتيل و التذبيح ، إلى زمن نهب العباد والمؤسسات و الممتلكات. و ويحك ، و الويل لك إذا أنت سلكت سلوكا سليما سويا ، وبدت على وجهك ملامح الإنسان الورع ، فستتهم –لا محالة- بالتخلف و الجنون و مخالفة الأعراف و السلوكات .

و لا تتعجب إذا حيكت حولك الأحبولات ، و المؤامرات ، و الدسائس للإيقاع بك، و جعلك تدور في فلكهم ، و إن تماديت في استقامتك و لم ترضخ لأهوائهم ورغباتهم ، فستجد نفسك في مصحة جوان فيل بالبليدة أو في قصر سركاجي ، و في أحسن الأحوال مطرودا من وظيفتك إن كنت موظفا.

و حتى لا اتهم صديقي الانتهازي أقصد " المعارض" بما سبق ذكره ، أقول انه انتهازي من نوع خاص ، و يتمتع بصفات متميزة عن غيره من الأصناف التي ميزت المرحلة الانتقالية وما بعدها ،وهو يبدو لكل من يعاشره أو يرافقه طيبا إلى أقصى درجات الطيبة ، إذ يتميز بالكرم والمرح و روح النكتة ،و الذكاء الحاد ، و في الوقت نفسه يمتاز بالمكر و الخداع و المداهنة ، و يحسن بل يتفنن في اصطياد المواقف . وهو الآن يتربع على مملكة من العقارات التي تعد بآلاف الهكتارات

والمساكن و العمارات و المخابز و السيارات ، و يطمح الآن إلى توسيع هذه المملكة التي حققها في ظرف قياسي- لا يتجاوز السنوات العشرة الدامية التي عرفتها البلاد - بالاستثمار في الفندقة و الصناعة و التجارة بالممنوعات والمسروقات والعاهرات و لم لا؟! فكل شيء مباح في زمن المباح.

قلت: إنه يفكر لان في توسيع هذه المملكة العجيبة عن طريق الاقتراض من البنوك. ويوظف لتحقيق ذلك معارفه الأخطبوطية، طالبا منهم التدخل للاستفادة بقروض متواضعة لا تتجاوز الخمسين مليارا ، و في فلسفته أن يسعى ويحقق القرض الأول ، أما باقي القروض فلا تسأله عن كيفية الوصول إلى تحقيقها ، فالصعوبة عنده تكمن في تجاوز العقبة الأولى أو الوصول إلى اقتناص الدينار الأول،وهو شيئ يسير وفي المتناول مادام صاحبنا يسهل –بالمقابل- لمعاونيه ومساعديه ،الحصول على قطعة أرض أو مسكن اجتماعي عند رؤساء المندوبيات. (1)

نسيت أن أقول لكم أن صديقي هذا، لم يكن، بكل بساطة سوى معلم في الابتدائي في قرية نائية من قرانا الكثيرة...قرية نسي علماء الجغرافيا وضعها في الخارطة،لذلك أعفيكم من ذكر اسمها لأنها لا تغني و لا تسمن ، المهم أن مهنة التعليم لم تعجب صديقي هذا ، فقرر العمل في حقل السياسة ، وقد تدرج في المناصب ،من مناضل بسيط في الحزب الوحيد إلى رئيس خلية ، إلى منسق قسمة إلى مسؤول الاتحادية ،

و هو أقصى ما يمكن أن يرقى إليه لو بقي في قريته تلك، فما العمل ؟

أعترف لكم أن صديقي كان بارعا في التدرج في المسؤولية و بسرعة فائقة ، وقد كان – فعلا- ينتمي إلى صنف خاص من المناضلين في جبهة التحرير الذين سيشكلون فيما بعد "المعارضة" بعد انسلاخهم عن الحزب العتيد.شرع صديقي يخطط لترك قريته النائية و الالتحاق بالعاصمة للعيش فيها،لأن فرص النجاح فيها كثيرة ،و ما إن فتح المجال لإنشاء الأحزاب السياسية حتى كان صديقي من الأوائل الذين أسسوا حزبا من الأحزاب المجهرية التي انتشرت في الساحة الوطنية كالفقاع ، هكذا ركب صديقي موجة المعارضة و صارت الفرصة مواتية له لزيارة العاصمة بين الفينة و الأخرى و الالتقاء و الاتصال بالمسؤولين في مختلف الهيئات.و من طرائف الأمور أن صديقي "المعارض" تجده في مناقشته يدافع عن الحزب العتيد بكل قواه، ناسيا أنه في المعارضة ، وأن الموقع الجديد يقتضي منه شتم الحزب العتيد و نعته بكل الأوصاف ،

و هي موضة درجت عليها الأحزاب السياسية "المعارضة"،و إذا ذكرته بموقعه الجديد في الخارطة السياسية يبتسم ابتسامته المعهودة ، معلقا أن مبادئه ثابتة لم تتغير، و أنه الآن في المعارضة يدافع عن تلك المبادئ.

و في واقع الأمر أن صديقنا محق في أقواله لأن دافع الانتماء للحزب العتيد أو الحزب المعارض دافع واحد ، هو تحقيق مآرب رسمها لنفسه، و أقسم على تحقيقها مهما كلفه الثمن.

***

هكذا إذن بدأت حكاية صديقي مع المعارضة ، و ركب قطار السياسة مع الراكبين، دونما تفكير في الوجهة أو المصير .

و لكن ما العمل ؟ هل يبقى طويلا في هذه القرية النائية يمارس السياسة عن بعد، أم يتعين عليه الانتقال إلى العاصمة في أقرب فرصة لممارسة هواياته، و تحقيق أماله و طموحاته؟

لقد أصر على تطبيق ما في ذهنه للإطاحة برئيسه المباشر ، و هو أستاذ جامعي في جامعة من جامعات الشرق الجزائري ، أو على الأقل إقناعه بالبقاء في منطقة الشرق لتركيز الحزب و جلب المزيد من المنخرطين

و إقناعهم بوساطة الخطب الرنانة ، و هي مهنة يجيدها صنف من المثقفين عندنا.

صديقي مقتنع في قراره نفسه بأن رئيسه المباشر الدكتور لا يمكن أن يترك مهنة التدريس في الجامعة و يتفرغ لشؤون الحزب ،لأنها مغامرة غير مضمونة العواقب،أما هو فسيكون الناطق الرسمي للحزب

و مسؤول العلاقات العامة ،و سيستولى شيئا فشيئا على مهام الحزب.

هكذا، خطط صديقي الانتهازي، وهكذا كان له الأمر. و تشاء الظروف أن تشارك الأحزاب المجهرية كلها في المجلس الوطني الانتقالي (2) ، بممثلين عنها .

هكذا وجد صديقي الانتهازي نفسه عضوا بارزا في المرحلة الانتقائية ، يسكن مع علية القوم في منطقة آمنة محروسة، سميت فيما بعد

بـ: "إقامة الدولة"، و هكذا صار زعماء "المعارضة" من الأحزاب المجهرية و زعماء جمعيات"المجتمع المدني"،يسكنون منطقة واحدة ..يلتقون كل مساء ، ويتبادلون الحكايا والمغامرات، و المنافع،يتزعمهم صديقي الانتهازي.فيسدي لهم النصح، و يبين لهم حيل وألاعيب العمل السياسي.

صديقي الانتهازي وجدت له أصدقاء كثيرين يشبهونه في طريقة حياتهم و طريقة تسلقهم وانتهازهم، لكنني أفضل الحديث عنه دون سواه،لأنه الوحيد الذي يقص علي حكاياه المثيرة الجميلة التي لا تنتهي ودونما خجل أو استحياء بل يحكيها بانتشاء وفرح ومرح حتى تشعر أنه يجد

في ذلك سعادة كبرى ولذة لا تقاس ولا تضاهى.وسأعود في حكايا أخرى لأكتب عن أمثاله من الانتهازيين في حكايا مثيرة ،لا تقل عن حكايا صديقي المعارض وأعرف أن العديد من الأصدقاء الذين عرفتهم في تلك المرحلة وما بعدها ،سيغضبون مني ، عندما يجدون أنفسهم أو بعضا من سلوكياتهم أو تشابها في شخصياتهم في الحكايا التي سأقصها .

ومن حكايا صديقي المثيرة، أنه على علاقة بمدينة في الشرق الجزائري،يزورها بين الفينة و الأخرى، حيث يلتقي تجار التراباندو

و سماسرة الاستيراد و"الاستيراد" أصحاب الحاويات الكبيرة و البطون المنتفخة ،و صديقي هذا يشترك معهم أيضا في استدارة البطن، و في صلع الرأس، وفي ارتدائه النظارات السميكة، كما تربطه بهم علاقات عمل مشبوهة يتحاشى الإشارة إليها، أثناء حديثه عن نشاطاتهم المريبة، و يكتفي بالحديث عن هذه المدينة العجيبة و طقوسها الغريبة.

فبنوكها لا تنشط سوى في الليل، حيث يأتي الرجال الغامضون محاطين بالعسس، فيأخذون ما طاب لهم من أكياس..و يقسم صديقي بأغلظ الأيمان أنه يراهم يحملون أكياسا ملأى بالملايير لقضاء مأربهم التجارية،

و لإخراج الحاويات الرابضة في موانئ عنابة وبجاية وسكيكدة وجيجل و العاصمة،ثم يعيدون - بعد أيام- المبالغ المالية إلى بنوكها التي لا تنشط إلا في الليل، يعيدونها بعد أن يكونوا قد قضوا مصالحهم و مآربهم

و قدموا الرشاوي المغرية ،لكل من ساعد من قريب أو بعيد ،في إنجاح العملية.

يعيدون الأموال دون أن يتركوا أثرا يشير إلى دخولها أو خروجها،فالكل متواطئ من المدير إلى الغفير.

أعفيكم سادتي من التفاصيل المملة المقرفة التي يحكيها صديقي الانتهازي،عن الرجال الغامضين و البنوك التي لا تنشط إلا في الليل

و سكان المدينة الطيبين المتعاونين...

يحكيها بكثير من المرارة و القرف و الألم ، لأنه يتمنى في قرارة نفسه أن يكون المستفيد الوحيد من تلك العمليات الغامضة.

وقبل أن أنقلكم إلى حكايا أخرى، اسر في أذانكم أن صديقي المعارض هذا ،يشبه إلى حد كبير في شكله وضخامة جسده واستدارة بطنه ولون وشكل وسمك النظارات التي يرتديها ،يشب ضابطا كبيرا بيده الحل والربط ،ةقد انتبه صديقي إلى ذلك مصادفة عندما رأى أن العديد من القائمين على نقاط التفتيش العسكرية والأمنية يبالغون في تقديم التحية العسكرية .

استصاغ صديقي هذه التحية والاحترام المبالغ فيه ومن يومها أصر على استبدال سيارته البي أم دابل يو BMW بمرسيدس سوداء،وصار يستلذ بتلك التحية العسكرية ويكتفي بالابتسام ويقول في قرارات نفسه لما لا استفيد من هذا التشابه مادام الكل يصر على ذلك !

الهوامش :

1 –رؤساء المندوبيات : هم الذين عينوا لتسييرشؤون البلديات بدل المجالس البلدية بعد توقيف المسار الانتخابي في تسعينيات القرن الماضي.

2- المجلس الوطني الانتقالي : هو بديل للمجلس الشعبي الوطني الذي حل في تسعينيات القرن الماضي وبديل للمجلس الوطني الاستشاري في مرحلة المجلس الأعلى للدولة